تجد جبهة ‘البوليساريو’ نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع شرعية دولية باتت تنظر للمملكة كشريك استراتيجي وحيد لا غنى عنه، مما دفع الجبهة إلى محاولة يائسة لعرقلة هذا الزخم، عبر الطعن في الاتفاق التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
إلا أن تحرك البوليساريو هذا، يصطدم بصخرة الموقف المغربي الحازم الذي نجح في تحويل الأقاليم الجنوبية إلى قطب اقتصادي دولي أصبح يستند اليوم إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، والذي لم يعد يكتفي بتكريس جدية مقترح الحكم الذاتي فحسب، بل قطع الطريق أمام استغلال المساطر القانونية لتقويض السيادة المغربية.
وفي هذا الإطار، ترى الدكتورة مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن “تسابق جبهة البوليساريو الانفصالية الوقت لإحداث تغيرات في السياق الدولي الجديد المرتبط بالمساعي الأممية الحالية لإطلاق مسار تفاوضي بين أطراف نزاع الصحراء المغربية على أساس الالتزامات الواردة في قرار مجلس الأمن الأخير القاضي بجعل خطة الحكم الذاتي المغربية إطارا مرجعيا لأي تفاهمات مستقبلية للتوصل الى حل نهائي وإغلاق ملف دام خمسة عقود”.
وتضيف المتحدثة ذاتها لجريدة “نيشان الآن”، أن البوليساريو “تأمل في إلغائه مجددا لإثبات شرعية تمثيليتها للسكان الصحراويون على الرغم من الفشل الذريع الذي منيت به بمعية الجزائر”، وذلك بهدف “ضمان استمرار حصر قواعد القانون الدولي المرتبطة بحل النزاعات بطرق سلمية في تنفيذ صيغة من صيغ تقرير المصير تفضي الى الانفصال وتقطيع اوصال الشعوب، وفرض رؤية لا زالت متمسكة بسردية إنهاء الاستعمار في الحالة الصحراوية، على الرغم من استحالة تنزيلها عمليا لانتفاء العلاقة السببية، وتكون رأي دولي سياسي وديبلوماسي يدعم حق المملكة المغربية في سلامتها الإقليمية ووحدة ترابها”.
كما أشارت منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إلى أن اعتماد القرار رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، انعطافة جدية في تاريخ فض النزاعات بطرق سلمية، لأنه يحدد ملامح ما هو مسموح به في الوضع السياسي المستقبلي لإقليم الصحراء، مما قد يجعل ما كان يعتبر سابقا غير جائز بخصوص السيادة المغربية، أمرا جائزا ومقبولا ومشروعا الآن، مع التأكيد أن القرار يوفر غطاء قانونيا للدول والشركات التي تتعاون مع المملكة المغربية في صحرائها، مما يقلل من التعرض لمخاطر التقاضي، مما يرتب آثارا عميقة على اتفاقيات التجارة الدولية والشراكات الاستثمارية التي تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وسجلت المتحدثة نفسها، “أن لجوء البوليساريو إلى المحكمة الأوروبية قصد استصدار حكم قضائي لصالحها، هو من قبيل المشاكسة وربح الوقت لتعكير أجواء التهيئ لانطلاق المفاوضات المزمع تنظيمها، لأن قرار مجلس الأمن أعاد تأطير ملف الصحراء المغربية عمليا من نزاع تصفية الاستعمار، الذي كانت الجزائر والبوليساريو وداعميهم يصبون الى تكريسه، إلى مسألة حكامة تفاوضية في إطار سيادة الدولة المغربية”.
ثم أكدت مينة لغزال في ذات التصريح، على أنه “وبالرغم من أحكام محكمة الاتحاد الأوروبي في 4 أكتوبر 2024، أيدت إلغاء الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب بشأن الصحراء المغربية، إلا أن الطرفين تحركا بسرعة لإنشاء إطار عمل جديد للتجارة، وأبرما اتفاقا زراعيا جديدا في أكتوبر 2025 يؤكد تطبيق التعريفات التفضيلية على المنتجات القادمة من الأقاليم الجنوبية المغربية، ومحاولة البوليساريو لرفع تحد قانوني جديد بتقديم طعن أمام المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي، فإن الالتزامات القانونية للاتحاد الأوروبي اتجاه المملكة المغربية في ضوء القرار الأخير ستؤثر حتما على جميع الاتفاقيات الحالية والمستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بما في ذلك التعاون العلمي والتكنولوجي وتطوير الطاقة الخضراء، بالإضافة مواجهة جبهة البوليساريو تحديات متزايدة بسبب تآكل اعترافها الدولي”.
وخلصت الناشطة الحقوقية، إلى أن تشبث البوليساريو مدعومة بتدخلات السلطات الجزائرية باستئناف الاشتغال على استراتيجية قانونية لتحجي الترتيبات الاقتصادية التي لا ترى في الجبهة طرفا ذات مشروعية تمثيلية للصحراويين، هروبا الى الأمام لإفشال التوجه الدولي والزخم الديبلوماسي الداعم للموقف المغربي والجاد في العمل على إنهاء الصراع على قاعدة المقترح المغرب للحكم الذاتي المتمتع بجدية ومصداقية وقابلية للتطبيق، في سعي من البوليساريو داعميها الى إعلاء قيمة القرارات القانونية للآليات الإقليمية على قواعد القانون وقرارات أجهزة الأمم المتحدة الرئيسية وفي مقدمتها مجلس الأمن، بالإضافة الى الحقائق السياسية المتطورة قانونيا وميدانيا في علاقة بالنزاع المفتعل وبجهود ومطالبات المغرب الشرعية تاريخيا وقانونيا وواقعيا.
جدير بالذكر، أن الحقائق التي كرسها القرار الأممي رقم 2797 والاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء، شكلت سدا منيعا يحمي الشراكات الدولية للمملكة من أي ابتزاز قضائي، إلى جانب أن انتقال الملف من منطق ‘النزاع المفتعل’ إلى أفق ‘الحكامة السيادية’ تحت السيادة المغربية، يضع قطار التنمية في الأقاليم الجنوبية على سكة لا يمكن الرجوع عنها، فالمستقبل اليوم يكتب بلغة الاستثمارات الكبرى والطاقة الخضراء، بعيدا عن سرديات الانفصال التي تآكلت صلاحيتها.
