تشهد الساحة السياسية الفرنسية تحولاً عميقاً في مقاربة اليسار لقية الصحراء، حيث بدأ وهج الدعم التقليدي لجبهة البوليساريو يخبو لصالح قراءة أكثر واقعية تتماشى مع السردية المغربية.
وفي هذا الإطار، لم يعد هذا التغيير مجرد تكهنات، بل بات يتجسد في مواقف علنية وتحركات برلمانية تعكس إدراكا متزايدا داخل أطياف اليسار، ولا سيما حزب “FRANCE INSOUMIS”، بأن المقترحات المغربية تمثل مخرجا جديا لإنهاء نزاع طال أمده، فبينما كان اليسار الفرنسي في وقت سابق يتبنى مواقف “انفصالية” بدوافع أيديولوجية اشتراكية، أصبح يقرأ القضية اليوم من منظور جيوسياسي يستند إلى المصالح المشتركة، وهنا يبرز الموقف الذي عبر عنه “جان لوك ميلانشون” خلال زيارته للمغرب كنقطة تحول جوهرية، بوصفه لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها الرباط منذ عام 2007 بأنها “مقترحات مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار”.
ويرتكز هذا التوجه الجديد على فهم أعمق للتاريخ المشترك في المنطقة، حيث يدرك غالبية قادة اليسار الفرنسي أن “الانقسام بين المغرب وصحرائه ليس سوى نتاج مناورات استعمارية فرنسية إسبانية قديمة، حاولت تفكيك الحركة الموحدة التي قادها المغاربة والصحراويون جنبا إلى جنب ضد الاستعمار الإسباني”.
كما أن في قلب هذا التحول، يبرز الانقسام داخل البرلمان الأوروبي كدليل على تراجع الحماس للأطروحات الانفصالية، فامتناع تسعة نواب من حزب “FRANCE INSOUMIS” عن التصويت على قرار كان يهدف لتقييد الصادرات المغربية من صحرائه يعكس رغبة في عدم الانجرار وراء معارك تقنية تستخدم كغطاء سياسي لضرب الوحدة الترابية للمغرب.
وبالرغم من الانتقادات التي وجهتها أطراف اشتراكية وخضراء لهذا الامتناع، إلا أنه يُفسر في سياق الرغبة في الحفاظ على علاقات متوازنة وواقعية مع الرباط، وتجنب تنفير القواعد الانتخابية التي ترى في المغرب شريكا استراتيجيا واستقرارا إقليميا لا غنى عنه، كما أن بروز أصوات داخل اليسار، مثل النائبة فريدة عمراني، التي تدفع علنا نحو دعم الموقف المغربي، يشير إلى أن السردية المغربية بدأت تخترق القلاع التي كانت تعتبر حصينة للبوليساريو.
تجدر الإشارة إلى أنه، ومع تحقيق المغرب لانتصارات دبلوماسية متتالية في مجلس الأمن، وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، يبدو أن جزءا كبيرا من اليسار الفرنسي بدأ يتخلى عن شعارات الماضي “الغامضة” ليتصالح مع حقيقة أن السيادة المغربية على الصحراء ليست فقط أمرا واقعا، بل هي تصحيح لسوء فهم تاريخي، وضمانة للتنمية والازدهار في المنطقة بعيدا عن صراعات الحرب الباردة التي لم تعد تجد لها صدى في باريس.
