أبو عمر
عاش المغرب خلال السنوات الأخيرة جفافًا قاسيًا، لم يعد يُنظر إليه كظرف مناخي عابر، بل كمرآة عاكسة لفشل اختيارات استراتيجية راكمت الأزمات بدل أن تحصّن البلاد منها. سنوات من قلة التساقطات، استُخدمت لتبرير الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة العيش، بينما ظل السؤال الحقيقي مؤجَّلًا: من استفاد من سنوات الدعم، ومن دفع الثمن؟
فرغم الجفاف، لم تتأثر الفلاحة التصديرية، بل واصلت نشاطها بوتيرة شبه طبيعية، في حين انهارت الفلاحة المعيشية الموجهة للسوق الداخلية. هنا يبرز بوضوح برنامج المخطط الأخضر، الذي رُوِّج له كرافعة للتنمية القروية، لكنه في الواقع تحوّل إلى آلية لإغناء فئة محدودة من كبار الفلاحين والمستثمرين، عبر دعم سخي، واستغلال مكثف للماء، وولوج غير متكافئ للفرشة المائية. أما الفلاح الصغير، فبقي خارج المعادلة، محاصرًا بالجفاف وغلاء المدخلات وغياب الحماية.
استنزاف الفرشة المائية لم يكن نتيجة صدفة، بل حصيلة سياسة سمحت بحفر الآبار العميقة دون ضوابط صارمة، وباركت توجيه الماء نحو الزراعات التصديرية، بينما حُرم المواطن من أبسط حقه في منتجات بأسعار معقولة. وهكذا تجسّد المثل المغربي «زيد الشحمة فظهر المعلوف» كعنوان لمرحلة كاملة من الاختلالات الصارخة.
وأمام فشل النموذج في امتصاص صدمات الجفاف، اختارت الدولة الحل الأسهل: الارتهان للقروض الدولية. قروض وُجّهت لمواجهة آثار الجفاف، وتمويل برامج استعجالية، ودعم قطاعات متضررة، لكنها في الجوهر لم تعالج أصل الداء. بل زادت من إثقال كاهل الدولة المغربية بمديونية متصاعدة، سيؤدي ثمنها المواطن نفسه، عبر الضرائب، وغلاء المعيشة، وتقليص هوامش الإنفاق الاجتماعي.
ثم جاءت أمطار الخير الأخيرة، فبدل أن تكون لحظة فرح خالص، تحولت إلى فضيحة مكشوفة. السيول جرفت الأرواح، والمباني انهارت، والبنيات التحتية سقطت عند أول اختبار حقيقي. الأمطار لم تُحدث الكارثة، بل كشفتها. كشفت هشاشة التعمير، وضعف المراقبة، وتواطؤ الصمت مع الفوضى، وغياب أي تصور حقيقي لحماية الإنسان.
بين الجفاف الذي استُغل لتبرير الغلاء، والغيث الذي فضح سوء التدبير، يتأكد أن الأزمة أعمق من تقلبات المناخ. إنها أزمة اختيارات، وأزمة عدالة، وأزمة حكامة. فلا المخطط الأخضر حقق الأمن الغذائي، ولا القروض الدولية وفّرت الحماية الاجتماعية، ولا الأمطار استطاعت أن تغسل آثار سنوات من السياسات المرتبكة.
إن المغرب اليوم أمام لحظة حقيقة لا تقبل التجميل: إما مراجعة جذرية لنموذج فلاحي استنزف الماء وعمّق الفوارق، وإما الاستمرار في إنتاج الأزمة نفسها، مع كل موسم مطر وكل سنة جفاف، بأثمان أعلى، وديون أثقل، ومواطن يدفع وحده الفاتورة.
