المغرب يضبط سوق الحبوب ويحصّن الخبز أمام تقلبات الأسعار العالمية

أظهرت دراسة حديثة أن السياسات الجمركية والتجارية للمغرب لعبت دورًا حاسمًا في حماية المستهلك المحلي وضمان استقرار الإمدادات الغذائية، خاصة خلال موجات ارتفاع الأسعار العالمية للحبوب.

ورقة البحث، الصادرة عن مركز متخصص في الدراسات الاستراتيجية وإدارة الأزمات، سلطت الضوء على قدرة المغرب على التكيف مع الصدمات الدولية بفضل مزيج من التدخلات السريعة، مثل تعليق الرسوم الجمركية على واردات الحبوب وتقديم دعم مباشر للقطاع، ما ساهم في منع أي نقص محتمل في السوق الوطنية.

منذ نهاية التسعينيات، يشهد المغرب تحولا في سياسته الزراعية، من الاعتماد على الاكتفاء الذاتي إلى التركيز على الزراعات التصديرية ذات القيمة المضافة، بهدف تعزيز مدخول العملة الصعبة. ويعكس هذا التحول فهمًا حديثًا للأمن الغذائي، حيث أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة على تأمين الغذاء بغض النظر عن مصدره، محليًا كان أم خارجيًا.

وتؤكد الدراسة أن الحبوب تمثل عنصرا أساسيا في مائدة الأسر المغربية، إذ تصل حصتها في نفقات الغذاء إلى حوالي 13 في المائة، ما يجعلها عاملا مؤثرا في رسم السياسات المالية السنوية. كما يشير البحث إلى أن احتياطات العملة الصعبة لدى بنك المغرب، التي تكفي لتغطية أكثر من خمسة أشهر من الواردات، تمنح الدولة هامشا واسعا لتأمين الإمدادات وفق المعايير الدولية.

ومع تطور مقاربة المغرب للأمن الغذائي، لم يعد التركيز منصبا فقط على توفر الحبوب، بل أصبح يشمل السعي نحو تحقيق السيادة الغذائية، كجزء من استراتيجيات القوة الناعمة والاستقرار الجيوسياسي، كما تجلى ذلك خلال إدارة أزمة جائحة كوفيد-19. وعلى الرغم من ذلك، يعتمد المغرب في تأمين احتياجاته على مزيج من الإنتاج المحلي والواردات الدولية، ما يجعل الاقتصاد الوطني عرضة للصدمات الخارجية، خصوصًا عند تجاوز نسبة الاعتماد على الاستيراد نصف الحاجيات.

وتشير الدراسة إلى أن التدخل الحكومي في تحديد الأسعار محدود، إذ يركز أساسًا على وضع سعر مرجعي للقمح وتقديم الدعم للمطاحن الموجهة لإنتاج الدقيق للفئات محدودة الدخل. كما تلجأ الدولة بشكل متكرر إلى أدوات ظرفية، مثل تعديل الرسوم الجمركية، لضمان تدفق مستمر للحبوب إلى السوق.

واختتمت الورقة بالإشارة إلى أن الدول المستوردة للحبوب، بما فيها المغرب، تواجه تحديًا طويل الأمد: تحقيق توازن بين الحاجة الملحة لتأمين الغذاء في مواجهة الجفاف وضعف الإنتاج المحلي، وبين الأعباء المالية المتزايدة لواردات الحبوب وتأثيرها على الميزانية العامة واحتياطيات العملة الصعبة، ما يجعل الأمن الغذائي ملفا استراتيجيا مستمرا.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد