من المحاكمة إلى التزكية … أمزميز تستحق أكثر من هذا العبث السياسي

يثير قرار حزب التجمع الوطني للأحرار منح التزكية لرئاسة بلدية أمزميز لعضو سبق له أن انشق عن الأغلبية داخل المجلس الأول، ثم اتجه إلى صفوف المعارضة، ودخل في مسار قضائي مع الحزب نفسه، تساؤلات عميقة حول منطق الانسجام السياسي ومعايير المسؤولية داخل التنظيم الحزبي.

فهذا العضو، الذي غادر الأغلبية، لم يكتفِ بالتموقع في المعارضة، بل ارتبط اسمه، وفق ما هو معروف محليًا، بتعطيل عمل الجماعة لمدة أربع سنوات كاملة، في سياق سياسي اتسم بالانسداد، وذلك في إطار تفاهم مع الرئيس السابق الذي لم يتمكن من تشكيل أغلبية مستقرة لتسيير المجلس. وكانت النتيجة شللًا مؤسساتيًا دفع ثمنه سكان أمزميز، وتوقفًا لمسارات التنمية، وتآكلًا لثقة المواطنين في العمل الجماعي.

وما يزيد هذا السلوك خطورة هو أن هذا التعطيل استمر حتى خلال الأيام العصيبة التي أعقبت الزلزال الذي ضرب منطقة أمزميز، حين كانت الساكنة في أمسّ الحاجة إلى مجلس جماعي متماسك، قادر على اتخاذ القرار، وتعبئة الإمكانات، والتنسيق مع مختلف المتدخلين. ففي لحظة وطنية وإنسانية استثنائية، طغت الحسابات السياسية الضيقة على واجب التضامن والمسؤولية، ما عمّق من معاناة المواطنين وأفقد المؤسسة المنتخبة دورها الطبيعي في الاستجابة للأزمة.

إن الانشقاق عن الأغلبية ثم التحالف الظرفي الذي قاد إلى تعطيل المرفق الجماعي، خصوصًا في ظرفية كارثية، لا يمكن تبريره باعتباره مجرد اختلاف سياسي مشروع، بل هو مسار تتحمل فيه الأطراف المعنية مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة. والأكثر إرباكًا أن ينتهي هذا المسار المتوتر، الذي شمل خصومة قضائية مع الحزب نفسه، بمنح تزكية رسمية لقيادة الجماعة، وكأن تعطيل المؤسسات في أحلك الظروف لا يدخل ضمن معايير التقييم.

إن هذا القرار لا يسيء فقط إلى صورة الحزب، بل يفرغ مفهوم التزكية من معناه، ويحوّلها إلى أداة ظرفية تُدار بمنطق موازين القوى لا بمنطق الالتزام والانضباط وتحمل المسؤولية. فأمزميز، بما تحمله من جراح ما بعد الزلزال ورهانات إعادة الإعمار، لا تحتاج إلى إعادة إنتاج منطق التعطيل والتناقض، بل إلى قيادة منسجمة، واضحة الاختيارات، قادرة على بناء أغلبية حقيقية، وتحمل المسؤولية كاملة أمام الساكنة.

إن تخليق الحياة السياسية لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف في لحظات الشدة، وبالقرارات التي تضع المصلحة العامة وكرامة المواطنين فوق كل اعتبار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد