وزارة الداخلية تطلق افتحاص شامل لصفقات الجماعات الترابية بعد رصد اختلالات وتبديد أموال عامة

باشرت وزارة الداخلية مسارا رقابيا موسعا يهم صفقات الجماعات الترابية، بعد توصلها بمعطيات وتقارير رسمية تشير الى وجود خروقات جسيمة في تدبير عدد من الطلبيات العمومية، يشتبه في ارتباطها بتبديد المال العام وسوء استعماله من طرف منتخبين ومسؤولين محليين.

وبحسب المعطيات المتداولة، فقد وجه وزير الداخلية تعليمات مباشرة الى جهاز التفتيش التابع للوزارة من اجل انجاز افتحاص شامل للصفقات التي تم ابرامها خلال السنوات الاربع الماضية، وهي الفترة التي تواكب الولاية الجماعية الحالية، وذلك بهدف الوقوف على مدى احترام القوانين المنظمة، ورصد مكامن الاختلال في مختلف مراحل الاعداد والتنفيذ.

وتندرج هذه الخطوة في سياق سعي الوزارة الى تشديد المراقبة على مجال يعتبر من الركائز الاساسية في تحريك الاقتصاد المحلي وتمويل مشاريع التنمية، خصوصا في ظل مؤشرات تفيد باستمرار ممارسات تتعارض مع مبادئ الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص، رغم دخول اصلاحات قانونية حيز التنفيذ خلال الفترة الاخيرة.

وكشفت التقارير التي اطلعت عليها المصالح المركزية عن استمرار اعطاب بنيوية في تدبير الصفقات، سواء على مستوى برمجة المشاريع او اثناء تنفيذها وتسلمها، نتيجة ثغرات مرتبطة بالنصوص التنظيمية من جهة، وبالاكراهات الميدانية وضعف الكفاءة التدبيرية لدى بعض المجالس من جهة اخرى.

وفي محاولة لمعالجة هذه الاشكالات، شرعت وزارة الداخلية في اعداد مشروع نص تنظيمي خاص بصفقات الجماعات الترابية، يراعي خصوصية التدبير المحلي ويهدف الى تبسيط المساطر وتحسين النجاعة، مع تعزيز اليات الحكامة وضمان استعمال امثل للموارد العمومية بما يخدم التنمية المجالية.

وقد تم بلورة هذا المشروع بتنسيق مع الفاعلين المحليين، الذين تقدموا بمقترحاتهم وملاحظاتهم في اطار مشاورات رسمية، تروم تسهيل ولوج المقاولات الى الطلبيات العمومية، مع الحفاظ على قواعد الاشهار والمنافسة واختيار العروض الاكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

وفي المقابل، سجلت تقارير الافتحاص اختلالات واسعة شملت اقصاء غير مبرر لمتنافسين، واسناد صفقات لمقاولات لا تتوفر على المؤهلات التقنية اللازمة، وصرف مستحقات مالية مقابل اشغال غير مطابقة للالتزامات التعاقدية، فضلا عن التغاضي عن تفعيل الجزاءات القانونية في حق مقاولات اخلت ببنود العقود.

كما رصدت نفس التقارير تجاوزات في تدبير سندات الطلب، من خلال تركيزها لدى فاعلين بعينهم، والمصادقة على خدمات قبل انجازها او قبل الالتزام الفعلي بالنفقات، اضافة الى عدم استرجاع مبالغ مرتبطة بمشاريع لم تر النور، خصوصا في مجالات التدبير المفوض.

وأظهرت عمليات المراقبة ايضا غياب دراسات مسبقة دقيقة قبل اطلاق عدد من المشاريع، ما ادى الى سوء تقدير التكاليف ومصادر التمويل، وتسبب في تعثر الاشغال وتأخر الانجاز، الى جانب ضعف التنسيق بين المتدخلين وعدم اشراك شركاء محتملين في التمويل والتنفيذ.

وفي جانب اخر، كشفت التحقيقات عن اختلالات خطيرة في صفقات الدراسات، حيث تم رصد اعتمادات مالية لدراسات شكلية لا ترتبط بمشاريع حقيقية، وهو ما كبد الميزانية العمومية خسائر مهمة، مع ترجيح احالة عدد كبير من هذه الملفات على القضاء المختص في جرائم الاموال.

وتنسجم هذه المعطيات مع ما ورد في تقارير رسمية رقابية، التي نبهت الى اختلالات بنيوية في تدبير الدراسات التقنية، سواء على مستوى تحديد الحاجيات او تقييم الكلفة، او خلال اختيار مكاتب الدراسات، حيث تم تسجيل معايير انتقائية غير موضوعية وتركيز الصفقات لدى عدد محدود من الفاعلين.

وفي هذا الاطار، كانت الحكومة قد باشرت اصلاحات مؤسساتية من خلال تعزيز منظومة الطلبيات العمومية، عبر احداث هيئة وطنية مختصة تتولى تقديم الرأي والخبرة، ودراسة الشكايات، وتتبع الاشكالات القانونية المرتبطة بابرام وتنفيذ ومراقبة صفقات الجماعات الترابية، في خطوة تروم ترسيخ مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد