أحدث إعلان عزيز أخنوش عن قرار عدم ترشحه لولاية ثانية على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار زلزالا سياسيا لم تتوقف ارتداداته عند حدود “المقر المركزي” للحزب بالرباط، بل امتدت لتشمل كافة موازين القوى في المشهد الحزبي المغربي.
هذا القرار المفاجئ لرئيس الحكومة الحالية، يأتي في وقت كان ينظر فيه إلى “حزب الحمامة” كقوة مهيمنة ومستقرة، فتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات أخرى تتعلق بمستقبل القيادة والتوازنات الداخلية؛ فالخوف من الفراغ القيادي أو الصراع على “الإرث الأخنوشي” بات يهيمن على نقاشات القواعد، وسط اتهامات مبطنة للقيادات المرتقبة بالافتقار إلى الكاريزما أو القدرة على الحفاظ على “الماكينة الانتخابية” التي بناها أخنوش طيلة سنوات.
فبعيدا عن البيت الداخلي للأحرار، يرى متابعون للشأن السياسي ببلادنا، أن هذا القرار ليس مجرد شأن حزبي تقني، بل هو قراءة عميقة لواقعية السياسة المغربية وتاريخها الحديث، فالمتأمل في مسار الحكومات المغربية المتعاقبة يدرك وجود “قاعدة غير مكتوبة” تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تكرار تجربة رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين من قبل نفس الشخص، فمهما بلغت درجة نجاحه الانتخابي.
ويبدو أن أخنوش قد استخلص الدروس من تجربة عبد الإله بنكيران المريرة، التي حاول عبرها كسر هذا العرف السياسي بعد تصدره لانتخابات 2016، قبل اصطدامه بـ”بلوكاج” شهير أدى في النهاية إلى إبعاده عن المشهد، وهذا السيناريو يخشى أخنوش تكراره بشكل أو بآخر، وهذا ما يبرر أختياره الانسحاب المبكر، بدلا من مواجهة استعصاء سياسي قد ينهي مساره بشكل دراماتيكي.
إن هذا التراجع التكتيكي يعكس أيضاً وعياً بكون رئاسة الحكومة في المغرب عبارة عن “حرق سياسي” سريع نظراً لحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مما يجعل فكرة الولاية الثانية مغامرة غير محسوبة العواقب، فبين مطرقة الحفاظ على تماسك الحزب الذي قد يتشظى في غياب “الرجل القوي”، وسندان الطموح الحكومي الذي يصطدم بـ”كوابح” تاريخية ومؤسساتية.
تجدر الإشارة، بأنه يبدو أن أخنوش مال إلى خيار خلط الأوراق وإعادة التموضع، تاركا الساحة السياسية أمام تساؤلات حارقة حول هوية “الحمامة” في المرحلة المقبلة، وحول ما إذا كان المشهد الحزبي المغربي مهيأ فعلا لإنتاج قيادات قادرة على الاستمرارية، أم أننا سنظل ندور في فلك “الزعيم الواحد” الذي برحيله يدخل الحزب نفقا من الشك والارتباك.
