في مشهد رقمي صارخ، تزدحم منصات التواصل بمؤثرين يرفعون شعار الوطنية كلما اقترب حدث كروي كبير، ويُكثرون من الحديث عن تشجيع المنتخب، بينما لا يتجاوز دورهم إعادة نشر الصور والفيديوهات من المدرجات، بعد الاستفادة من تذاكر المباريات والإقامات والامتيازات. وطنية موسمية، تنتهي مع صافرة الحكم، ولا تترك أثرا لا على صورة المغرب ولا على قيمة الحدث الرياضي نفسه.
في المقابل، تظهر تجربة رشيد مول الدجاج، اليوتيوبرز القروي البسيط القادم من قلب جبال الأطلس، كحالة مختلفة تماماً. رشيد لا يتقن لغة الشعارات، ولا يعرف كيف يتاجر بالوطنية، لكنه يقدم محتوى صادقا عن حياة قاسية وبسيطة، عن تفاصيل يومية حقيقية، وعن علاقة إنسانية مع الطبيعة ومعزته خربوشة، دون ادعاء أو تصنع.
زيارة المؤثر السعودي خالد العليان لرشيد لم تكن مجرد تعاون رقمي، بل تجربة إنسانية عكست معنى التأثير الحقيقي. خالد، الذي يُصنف من بين أبرز المؤثرين في العالم العربي بأزيد من عشرة ملايين متابع، قدّم للمغرب ما عجز عنه كثيرون يرفعون راية “حب الوطن”: تعريفا صادقا بالمناطق، بالناس، وبقيم الكرم والضيافة، دون خطاب مباشر أو استعراض أجوف.
وبينما اكتفى بعض المؤثرين المحليين بتوثيق حضورهم في المدرجات، جاء خالد ليعيش تفاصيل الحياة اليومية في جبال الأطلس، ويتقاسم خبز البادية وبساطتها، ويصنع محتوى يصل إلى الملايين، لا لأن الحدث كروي، بل لأن الإنسان حاضر في الصورة. ومن المفارقات المؤلمة أن رشيد نفسه، الإنسان القروي البسيط، لم يدخل ملعب كرة قدم في حياته إلا بفضل هذه المبادرة، في حين كان آخرون يتنقلون بين المباريات تحت لافتة “تشجيع المنتخب”.
هذا التباين يطرح سؤالا حقيقيا حول معنى التأثير والوطنية في زمن المنصات الرقمية. هل الوطنية في صورة من المدرج؟ أم في تقديم صورة صادقة عن البلد، عن ناسه، عن ثقافته، وعن الهامش الذي لا يراه أحد؟ تجربة رشيد وخالد تميل بوضوح نحو الجواب الثاني.
الجميل في هذه القصة أن الطرفين استفادا من بعضهما البعض دون ادعاء. خالد وسّع صورة المغرب لدى جمهوره العربي، ورشيد وجد نفسه أمام جمهور أوسع، دون أن يتخلى عن بساطته أو يتحول إلى نسخة مصطنعة من مؤثرين يلهثون خلف الترند.
في النهاية، قد لا يحتاج المغرب إلى مزيد من الشعارات ولا إلى مؤثرين موسميين، بقدر ما يحتاج إلى قصص حقيقية، تُحكى بصدق. وربما تكون قصة رشيد مول الدجاج، القادم من أعالي الأطلس، أصدق من ألف فيديو وطني مُعلّب، لأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد التذاكر المجانية، بل بما يبقى في ذاكرة الناس.
تعليقات الزوار
إحصائيات الموقع
-
زوار الموقعSite--K
-
فايسبوكFacebook188K
-
تويترTwitter--K
-
يوتوبYoutube58.8K
-
انستغرامInstagrame73.7K
-
تيكتوكTikTok79.6K
