تشهد جهة الدار البيضاء–سطات خلال الآونة الأخيرة توجها متسارعا نحو اعتماد حلول رقمية في تدبير الموارد البشرية، في مقدمتها نظام البطاقات الإلكترونية لتسجيل الحضور والانصراف، في خطوة ترمي إلى إحكام مراقبة زمن العمل والتصدي لظاهرة الموظفين الأشباح التي ظلت تطرح علامات استفهام حول مردودية الإدارة العمومية وجودة خدماتها.
وبحسب مصادر جريدة “نيشان الآن” فقد شرعت عدد من الجماعات والمقاطعات التابعة للجهة في تفعيل هذا النظام، الذي يقوم على توثيق الحضور اليومي بشكل إلكتروني، بما يتيح ضبطا أدق لساعات العمل والحد من الاختلالات التي تؤثر على السير العادي للمرافق العمومية. ويبرز هذا التوجه بشكل أوضح داخل جماعة الدار البيضاء، باعتبارها أكبر جماعة ترابية من حيث عدد الموظفين وحجم الخدمات المقدمة.
وفي هذا السياق، أصدرت عمدة المدينة تعليمات باعتماد نموذج موحد لكشوفات الحضور والغياب، مع التشديد على ضرورة التقيد بإثبات التواجد اليومي لكافة الموظفين والأعوان، في إطار مسعى يروم توحيد المساطر الإدارية وتعزيز مبدأ المساواة في تطبيق القوانين التنظيمية داخل مختلف المصالح والمقاطعات.
ويأتي هذا التوجه في سياق وطني أوسع، تتجه فيه عدد من الجماعات الترابية إلى اعتماد الرقمنة كخيار لتجاوز اختلالات تدبير الموارد البشرية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين مردودية الإدارة، فضلا عن تكريس مبدأ ربط الأجر بالعمل الفعلي، باعتباره أحد مرتكزات الحكامة الجيدة.
غير أن هذا المسار لم يمر دون إثارة ردود فعل متحفظة من قبل النقابات، إذ عبّر المكتب النقابي لموظفي جماعة الدار البيضاء والمقاطعات التابعة لها، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن رفضه لطريقة تنزيل نظام البصمة الإلكترونية، معتبرا أن الخطوة تمت دون احترام المساطر القانونية المعمول بها، ودون إشراك الشركاء الاجتماعيين في بلورة القرار.
وأكد المكتب النقابي، في بلاغ له، أن اعتماد هذا النظام تم في غياب الحوار المسبق والتشاور الضروري، معتبرا أن ذلك من شأنه خلق احتقان داخل المرافق الجماعية، والمساس بمناخ الثقة المفترض بين الإدارة والموظفين، خاصة أن الأمر يتعلق بملف ذي حساسية يرتبط مباشرة بالحقوق والواجبات المهنية.
وفي المقابل، أوضح المصدر ذاته أن النقابة لا تعارض مبدأ تحديث الإدارة أو الاستعانة بالتكنولوجيا لضبط الحضور، بل تعتبر ذلك خطوة إيجابية إذا ما تمت في إطار يحترم الضوابط القانونية، ويصون كرامة الموظف، ويضمن حماية المعطيات الشخصية، إلى جانب توفير شروط العمل الملائمة.
وسجل المكتب النقابي امتعاضه مما وصفه بعدم احترام التزامات سابقة تخص التشاور قبل اتخاذ قرارات تمس الوضعية المهنية والاجتماعية للموظفين، محملا إدارة الجماعة والمقاطعات التابعة لها مسؤولية أي توتر قد ينجم عن التعجيل بتنزيل هذا الإجراء دون تهيئة شروطه الموضوعية.
وطالب المصدر ذاته بتوقيف العمل بنظام تسجيل الحضور الإلكتروني مؤقتا، إلى حين استكمال الإطار التنظيمي والقانوني المؤطر له، وتحسين ظروف العمل، وتوفير وسائل النقل، مع مراعاة بعض الحالات الاجتماعية الخاصة، كالموظفات العاملات بالحاضنات أو من يواجهون إكراهات أسرية.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة النقاش القائم حول التوازن بين متطلبات تحديث الإدارة العمومية ورفع نجاعتها، وبين ضرورة احترام الحقوق المكتسبة للموظفين والحفاظ على السلم الاجتماعي داخل المرافق العمومية، في ظل تسارع التحول الرقمي وتزايد انتظارات المرتفقين من الإدارة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه تطورات هذا الملف، يبقى الرهان معلقا على اعتماد مقاربة تشاركية قادرة على التوفيق بين متطلبات الإصلاح الإداري ومقتضيات الحوار الاجتماعي، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة داخل المرفق العمومي بجهة الدار البيضاء–سطات.
