يبدو أن الجزائر الرسمية دخلت، مرة أخرى، في نوبة غضب دبلوماسية حادة، هذه المرة بسبب شريط تلفزيوني بثته قناة فرنسية عمومية، تحول في نظر الخارجية الجزائرية من “وثائقي” إلى “مؤامرة كونية مكتملة الأركان”، تستدعي الاستنفار، والاستدعاء، والتهديد، وإشهار قاموس التخوين دفعة واحدة.
البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية لم يكن مجرد احتجاج بروتوكولي معتاد، بل أقرب إلى بيان حرب لغوية، كتب بنبرة انفعالية لا تخطئها العين، توحي وكأن الدولة تعرضت لغزو عسكري لا لعمل إعلامي، مهما كان محتواه أو مستواه.

منذ السطر الأول، بدا واضحا أن الجزائر لم تعد تناقش مضمون ما بثته قناة “فرانس 2”، بل دخلت في منطق الاتهام الجاهز:
تواطؤ، استفزاز، مؤامرة، إساءة، تصعيد، عداء…
قاموس محفوظ يستدعى كلما ضاقت السلطة ذرعا بأي خطاب لا ينسجم مع روايتها الرسمية.
الأكثر إثارة في البيان، ليس الدفاع عن “السيادة”، فهذا حق مشروع، بل القفز السريع إلى تحميل الدولة الفرنسية بأكملها مسؤولية عمل إعلامي، وكأن القنوات العمومية في باريس تدار من مكتب سري مخصص للنيل من الجزائر، أو كما لو أن الصحافة في فرنسا تتحرك بتعليمات عسكرية لا تحريرية.
أما اتهام سفير فرنسا بالمشاركة في “تنشيط الحملة”، فذلك يكشف منسوب التوتر الذي بلغ حد الخلط بين العمل الدبلوماسي والعداء الشخصي، وبين الأعراف الدولية ونظريات المؤامرة. فالسفير، حسب البيان، لم يعد دبلوماسيا، بل فاعلا في “حملة عدائية”، وكأننا أمام فيلم تجسّس لا بيان رسمي.
اللافت أيضا هو ذلك الإصرار المزمن على تصوير العلاقة الجزائرية الفرنسية وكأنها محكومة أبديا بالصدام، لا بسبب ملفات حقيقية عالقة، بل لأن السلطة الجزائرية لا تبدو قادرة على التنفس سياسيا دون خصم خارجي تحمله أوزار أزماتها الداخلية.
وفي ختام البيان، جاء التهديد التقليدي:
“تحتفظ الحكومة بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات…”
عبارة مطاطية، تتكرر في كل مرة، دون أن يعرف أحد ما هي هذه الإجراءات، ولا متى ستتخذ، ولا إن كانت ستتجاوز حدود البيانات الغاضبة.
في النهاية، لا يبدو أن المشكلة في وثائقي فرنسي، ولا في قناة عمومية، بل في حساسية مفرطة تجاه أي سرد لا يمر عبر الفلترة الرسمية. فحين تتحول الدولة إلى كيان يصاب بالسعار عند كل نقد، تصبح المشكلة أعمق من مجرد برنامج تلفزيوني.
إنه مشهد مألوف:
دبلوماسية متشنجة، خطاب هجومي، ومواجهة وهمية مع “أعداء خارجيين”، بينما الأسئلة الحقيقية في الداخل ما تزال بلا أجوبة.
