شرف إشهان
لم يعد سوق الحبوب في المغرب يتحرك وفق منطق التبعية التقليدية للأسواق الأوروبية، بل بات فاعلًا مؤثرًا في إعادة رسم خريطة تجارة القمح عبر حوض البحر الأبيض المتوسط. ففي ظل وفرة الإنتاج عالميًا واشتداد التنافس السعري، تحوّل القرار الاستيرادي المغربي إلى عنصر ضغط حقيقي على المصدرين، خصوصًا داخل الاتحاد الأوروبي الذي يجد نفسه اليوم أمام معادلة تسويقية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
تقارير دولية متخصصة تشير إلى أن القمح الأوروبي يواجه صعوبات متزايدة في إيجاد منافذ تصريف مستقرة، بعدما فقد جزءًا من جاذبيته داخل السوق المغربية، التي شكّلت خلال السنوات الأخيرة إحدى أهم وجهاته خارج القارة. غير أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بارتفاع حجم العرض الأوروبي، بل يعكس تحولات أعمق في موازين القوى داخل السوق الدولية للحبوب.
أحد أبرز هذه التحولات يتمثل في الصعود القوي للأرجنتين، التي مكنها محصول قياسي من تعزيز حضورها داخل أسواق شمال إفريقيا، وفي مقدمتها المغرب. هذا التدفق الجديد أعاد خلط الأوراق، وأدخل المنافسة مرحلة أكثر حدة، خاصة أن القمح الأرجنتيني يصل بأسعار أكثر تنافسية مقارنة بنظيره الأوروبي، ما أثر بشكل مباشر على الحصص السوقية التقليدية للمصدرين من أوروبا الغربية.
في هذا السياق، وجد المغرب نفسه في موقع تفاوضي مريح، مستفيدًا من تنوع العروض وتباين الأسعار، وهو ما يمنحه هامش مناورة واسع لاختيار الموردين الأنسب وفق معايير الكلفة والجودة والتوقيت. هذا الوضع زاد من صعوبة تسويق القمح الأوروبي الأعلى تكلفة، خاصة في ظل فقدان الاتحاد الأوروبي لأسواق أخرى كانت تُعد تاريخيًا منافذ شبه مضمونة لتصريف الفائض.
وتتعقد الصورة أكثر مع اقتراب موسم الحصاد المحلي بالمغرب، المرتقب في شهر ماي، حيث يؤدي توفر الإنتاج الوطني إلى تقليص الحاجة إلى الاستيراد، ما يضغط زمنياً على المصدرين الأجانب ويُضيّق نافذة التسويق المتاحة أمامهم. وهو ما يفسر حالة القلق المتنامية في أوساط تجار الحبوب بأوروبا الغربية، الذين يرون أن عامل الوقت بات حاسمًا في سباق تصريف المخزونات.
في المقابل، ساهمت الوفرة العالمية، المدفوعة بالمحصول الأرجنتيني القياسي وبإمدادات منطقة البحر الأسود، في خلق فائض ضاغط على الأسعار الدولية، واضعة المنتجين الأوروبيين أمام خيارات صعبة: إما القبول بخفض الأسعار، أو الاحتفاظ بالمخزون في ظل تكاليف إنتاج مرتفعة. هذا التردد انعكس سلبًا على توازن العرض والطلب داخل السوق الأوروبية نفسها.
هذه المؤشرات دفعت شركات استشارات دولية إلى مراجعة توقعاتها بشأن أداء الصادرات الأوروبية. فقد تم خفض تقديرات صادرات الاتحاد الأوروبي من القمح اللين لموسم 2025/2026، مع تراجع الآمال في بلوغ الأهداف التي كانت مطروحة سابقًا. ويرى خبراء أن السوق المغربية ستظل عنصرًا مفصليًا في تحديد مسار هذه الصادرات، سواء من حيث الحجم أو القدرة على المنافسة السعرية.
في المحصلة، لم يعد المغرب مجرد مستورد ضمن معادلة عالمية أكبر، بل تحول إلى لاعب يُحسب له الحساب في توازنات تجارة القمح، حيث باتت قراراته تعكس تحولات أوسع في الاقتصاد الغذائي العالمي، وتكشف حدود النموذج التصديري الأوروبي في زمن الوفرة والمنافسة المفتوحة.
