يحيي المغاربة، خلال أواخر شهر يناير، إحدى المحطات المفصلية في تاريخ الكفاح الوطني، والمتمثلة في الانتفاضة الشعبية التي اندلعت سنة 1944، باعتبارها لحظة فارقة جسدت الوعي الجماعي الرافض للاستعمار، والتمسك الراسخ بالحرية والسيادة الوطنية. تلك الأحداث لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل شكلت تعبيرا قويا عن التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة القمع والاستبداد.
ففي سياق تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وما أعقبها من تضييق واعتقالات طالت رموز الحركة الوطنية ومناضليها، خرجت الجماهير إلى الشارع في عدد من المدن، وفي مقدمتها الرباط، معبرة عن رفضها لسياسة البطش التي انتهجتها سلطات الحماية الفرنسية. وكانت تلك الانتفاضة تعبيرا صادقا عن وعي شعبي متقدم، وإرادة جماعية لا تقبل المساومة على حق الاستقلال.
وتشير الذاكرة الوطنية إلى أن تلك الأحداث تركت أثرا عميقا في وجدان المغاربة، كما كان لها وقع خاص في نفس ولي العهد آنذاك، جلالة المغفور له الحسن الثاني، الذي واكب لحظاتها الأولى وشارك فيها، في مشهد يختزل عمق الارتباط بين المؤسسة الملكية ونضالات الشعب. وقد ظل هذا الحدث راسخا في الذاكرة الوطنية باعتباره محطة مفصلية ساهمت في تسريع وتيرة الكفاح التحرري.
ورغم القمع الشديد الذي واجهت به سلطات الاستعمار تلك التحركات، وما نتج عنه من سقوط شهداء واعتقال مناضلين، فإن جذوة المقاومة لم تنطفئ. فقد أصر جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، على الدفاع عن أبناء شعبه والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، غير أن تعنت سلطات الحماية أدى إلى مزيد من التصعيد، بلغ ذروته بنفي الملك وأسرته سنة 1953، في محاولة يائسة لإخماد روح المقاومة.
غير أن تلك الخطوة لم تزِد المغاربة إلا تشبثا بخيار التحرر، لتتوسع رقعة النضال وتشمل مختلف مناطق البلاد، من فاس إلى مكناس ومراكش وغيرها، حيث اندلعت مظاهرات وعمليات مقاومة جسدت وحدة الصف الوطني. وقد شكلت هذه التضحيات الجسيمة الأرضية التي مهدت لعودة الملك الشرعي من المنفى، وإعلان نهاية عهد الحماية، وبزوغ فجر الاستقلال سنة 1955.
وتحظى ذكرى انتفاضة يناير بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية، باعتبارها محطة مشرقة من محطات التضحية والفداء، وهو ما يفسر استمرار تخليدها عبر أنشطة رسمية وثقافية وتربوية، تستحضر معانيها ودلالاتها، وتربط الأجيال الصاعدة بقيم الوطنية والوفاء للوطن.
وفي هذا الإطار، تؤكد أسرة المقاومة وأعضاء جيش التحرير على أهمية صون هذه الذاكرة الوطنية، ليس فقط من باب الاستحضار التاريخي، بل باعتبارها رافعة لترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وتعزيز روح المسؤولية لدى الشباب، بما ينسجم مع رهانات الحاضر وتحديات المستقبل، في ظل قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، نحو مغرب الحداثة والتنمية والعدالة الاجتماعية.
كما تشهد هذه المناسبة تنظيم مجموعة من الأنشطة والفعاليات التربوية والتأريخية بعدد من المدن، تخليدا لتضحيات الشهداء، واستحضارا لمسار نضالي شكل إحدى اللبنات الأساسية في بناء الدولة المغربية الحديثة.
تعليقات الزوار
إحصائيات الموقع
-
زوار الموقعSite--K
-
فايسبوكFacebook188K
-
تويترTwitter--K
-
يوتوبYoutube58.8K
-
انستغرامInstagrame73.7K
-
تيكتوكTikTok79.6K
