حين تتحول الصحة إلى صفقة… من يحمي حق المواطن في العلاج؟

لم يعد النقاش حول الصحة في المغرب مرتبطا بجودة الخدمات أو طول مواعيد الانتظار فقط، بل أصبح سؤالا أعمق يمس جوهر الاختيار السياسي للدولة.

هل ما زال العلاج حقا عموميا، أم أنه تحول بهدوء إلى سلعة تشترى وتقسط وتستنزف عبرها جيوب المواطنين؟

الأرقام الأخيرة الصادرة عن مؤسسات الرقابة لا تترك مجالا للتأويل. نحن أمام مشهد صحي مختل، تميل كفته بشكل شبه كامل لصالح القطاع الخاص، بينما يترك القطاع العمومي يتآكل بصمت، تحت ضغط ضعف الاستثمار ونزيف الموارد وغياب رؤية إصلاحية حقيقية.

حين تستحوذ المصحات الخاصة على أكثر من تسعين في المائة من نفقات التأمين عن المرض، فهذا لا يعني فقط أن المواطن يفضل العلاج الخاص، بل يعني أساسا أن المستشفى العمومي لم يعد قادرا على أداء دوره الطبيعي. وهو فشل لا يمكن عزله عن قرارات سياسية راكمت الإهمال ورفعت شعارات كبرى دون أن تهيئ شروط إنجاحها.

المفارقة المؤلمة أن الدولة تتحدث عن تعميم الحماية الاجتماعية، بينما واقع الأرقام يقول إن هذه الحماية تمول لصالح الفاعل الخاص، لا لتقوية المرفق العمومي. فالأموال التي تقتطع من أجور المواطنين أو تضخ من الميزانية العامة تنتهي في النهاية داخل مصحات خاصة، فيما المستشفيات العمومية تترك لتواجه خصاص الموارد والأطر والتجهيزات.

الأخطر من ذلك أن هذه المعادلة تنتج حلقة مفرغة:

قطاع عمومي ضعيف يؤدي إلى توجه قسري نحو الخاص، ثم ارتفاع في النفقات، ثم عجز مالي متزايد، فمزيد من إضعاف العمومي.

وفي قلب هذه الدوامة يقف المواطن وحيدا، مطالبا بأداء جزء متزايد من كلفة العلاج، حتى في ظل وجود التغطية الصحية.

أن يصل العبء المالي المباشر على المريض إلى ما يقارب نصف تكلفة العلاج في بعض الحالات، فذلك يعني أن مفهوم التأمين فقد جوهره. وما جدوى منظومة يفترض أن تحمي الفئات الهشة، إذا كانت تترك أصحاب الأمراض المزمنة تحت رحمة الفواتير؟

الأدهى أن الدولة تجد نفسها اليوم ممولة مرتين:

مرة لإنقاذ المستشفيات العمومية من الانهيار،

ومرة لسد عجز أنظمة التأمين التي تستنزف لصالح القطاع الخاص.

وهي معادلة عبثية لا يمكن أن تستمر دون أن تنفجر ماليا واجتماعيا.

ما يحدث ليس خطأ تقنيا ولا اختلالا عابرا، بل توجه سياسي غير معلن نحو خصخصة الصحة بشكل تدريجي وبأموال عمومية. خصخصة صامتة لا تناقش في البرلمان بوضوح ولا تعرض على الرأي العام بشفافية، لكنها تتجسد يوميا في الفواتير وفي قاعات الانتظار وفي معاناة المرضى.

السؤال الحقيقي لم يعد: كم صرفنا على الصحة؟

بل: لصالح من صرفت هذه الأموال؟

وإلى متى ستواصل الحكومة إدارة ظهرها للمستشفى العمومي، بينما تفتح أبواب التأمين على مصراعيها أمام القطاع الخاص، في مسار يهدد العدالة الاجتماعية ويفرغ مفهوم الدولة الاجتماعية من مضمونه؟

الجواب لم يعد تقنيا، بل سياسي بامتياز.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد