تحت ضغط المطالب الاجتماعية… مجلس الدار البيضاء يعيد ضبط بوصلته التنموية

دخلت مدينة الدار البيضاء خلال الفترة الأخيرة مرحلة جديدة من الحركية المؤسساتية، اتسمت بتسارع واضح في التعاطي مع الملفات الاجتماعية، في سياق تزايد شكايات المواطنين المرتبطة بالخدمات الصحية والاجتماعية، وتفاقم أوضاع فئات واسعة تعاني من الهشاشة وتدهور شروط العيش.
ويأتي هذا التحول بالتزامن مع التحضيرات الجارية لانعقاد الدورة العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء لشهر فبراير 2026، حيث انكبت اللجان الدائمة، على مدى أيام متواصلة، على دراسة حزمة من المشاريع ذات البعد الاجتماعي، تمهيدًا لإحالتها على التداول والمصادقة خلال أشغال الدورة المقبلة.
وسجلت لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية حضورًا وازنًا في هذا المسار، خاصة في جانبها الاجتماعي، من خلال اجتماع مطول خُصص لبحث قضايا تمس بشكل مباشر الحياة اليومية لشرائح واسعة من ساكنة العاصمة الاقتصادية، في أجواء اتسمت بنقاش جدي ومسؤول حول حجم الإكراهات المطروحة وسبل معالجتها.
ويعكس هذا التوجه توجّهًا متناميًا لدى المنتخبين نحو إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي ضمن أولويات التدبير المحلي، في ظل التحديات المتراكمة التي تعرفها المدينة، والتي لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل أو المعالجة الظرفية.
ومن أبرز الأوراش التي استأثرت باهتمام خاص، مشروع إعادة بناء وتجهيز مستشفى الأمراض العقلية والنفسية المعروف بـ“الرازي” بتيط مليل، في إطار شراكة تروم تحديث هذا المرفق الحيوي وتحسين جودة خدماته، ضمن مقاربة تعترف بأهمية الصحة النفسية كركيزة أساسية في منظومة الصحة العمومية.
ويهدف هذا المشروع إلى تحسين ظروف الاستقبال والعلاج، وتزويد المؤسسة بتجهيزات عصرية تستجيب للمعايير الطبية المعتمدة، إلى جانب إحداث فضاء خاص بالنساء، يراعي خصوصيتهن ويضمن شروط الرعاية والكرامة الإنسانية.
وجاء إدراج هذا المشروع بعد معاينة ميدانية قامت بها المسؤولة المفوضة في الشأن الاجتماعي، رفقة المصالح المختصة، أفضت إلى تشخيص اختلالات بنيوية وحاجيات مستعجلة، ما سرّع وتيرة إدراجه ضمن جدول أعمال المجلس، عقب مراسلة رسمية في الموضوع.
وفي السياق ذاته، تدارست اللجنة مشروع إحداث مركز سوسيو-مهني موجه لإدماج الشباب في وضعية إعاقة ذهنية بتراب عمالة مقاطعة الحي الحسني، في إطار شراكة متعددة الأطراف، تهدف إلى الانتقال من منطق الرعاية إلى منطق التأهيل والتمكين.
ويتوخى هذا المشروع تمكين المستفيدين من اكتساب مهارات مهنية تساعدهم على الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، ضمن رؤية دامجة تعزز استقلاليتهم وتفتح أمامهم آفاق المشاركة الفعلية في الحياة العامة.
كما شملت أشغال اللجنة مشروع تعاون مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، يروم تنزيل برنامج لدعم ومواكبة الشباب الراغبين في إحداث أو تطوير أنشطة مدرة للدخل خلال سنتي 2026 و2027، في إطار مقاربة تستهدف تعزيز روح المبادرة والمقاولة الذاتية، خاصة داخل الأحياء التي تعاني من الهشاشة الاقتصادية.
ويهدف هذا البرنامج إلى توفير المواكبة التقنية والمالية، بما يساهم في الحد من البطالة وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، عبر تمكين الشباب من أدوات الفعل الاقتصادي بدل الاكتفاء بالمقاربات التقليدية.
وعلى مستوى الدعم الاجتماعي المباشر، ناقشت اللجنة آليات توزيع جزء من مداخيل الضريبة على الذبح لفائدة الجمعيات المشرفة على مؤسسات الرعاية الاجتماعية، بما يضمن استمرارية خدماتها وتحسين ظروف استقبال المستفيدين.
كما تم التطرق إلى المنحة المخصصة للحج والعمرة لفائدة المتقاعدين التابعين لجماعة الدار البيضاء والمقاطعات، في خطوة تحمل بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا، تعكس الاعتراف بمسارهم المهني وخدماتهم السابقة.
وفي المجال الصحي، برز مشروع إحداث مستشفى جديد بمقاطعات مولاي رشيد كأحد أبرز الأوراش المدرجة، بالنظر إلى الضغط الكبير الذي تعرفه البنيات الصحية القائمة، خاصة مستشفى سيدي عثمان الذي ظل لسنوات يشتغل فوق طاقته الاستيعابية.
ويأتي هذا المشروع استجابة لمطالب متواصلة لساكنة المنطقة، التي ظلت تشتكي من ضعف العرض الصحي وقلة المرافق الاستشفائية، في أفق تحسين الولوج إلى العلاج وضمان خدمات صحية تحترم كرامة المواطنين.
وتكشف هذه الحزمة من المشاريع عن رغبة واضحة لدى المنتخبين في تسريع وتيرة الإنجاز الاجتماعي، والانتقال من منطق تشخيص الأعطاب إلى تفعيل الحلول الملموسة، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
كما تعكس هذه الدينامية وعيًا متزايدًا بحجم الرهانات الاجتماعية التي تواجه العاصمة الاقتصادية، وعلى رأسها الصحة، والإدماج الاجتماعي، ودعم الفئات الهشة، باعتبارها مفاتيح أساسية لأي مسار تنموي حضري مستدام تسعى المدينة إلى ترسيخه خلال المرحلة المقبلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد