في خطوة استباقية تعكس تشديد الرقابة الصحية على أغذية الفئات الأكثر هشاشة، أعلنت السلطات الفرنسية عن موجة سحب جديدة شملت كميات محددة من حليب الأطفال، وذلك إثر تبني معايير صارمة غير مسبوقة تتعلق بتركيزات مادة “السيريوليد” البكتيرية.
وتأتي هذه التحركات الرسمية مدفوعة بتوصيات علمية حديثة صادرة عن الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA)، والتي وضعت سقفا شديد الانخفاض للمستويات الآمنة من هذا السم البكتيري، محددة تركيزا لا يتجاوز 0.054 ميكروغرام لكل لتر في حليب المرحلة الأولى، و0.1 ميكروغرام لكل لتر في حليب المرحلة الثانية، محذرة من أن أي تجاوز لهذه النسب قد يضع الرضع في دائرة الخطر الصحي.
ومادة السيريوليد هي سم تُفرزه بكتيريا “Bacillus cereus”، وتكمن خطورتها في قدرتها العالية على مقاومة المعالجات الحرارية، ما قد يتسبب في نوبات حادة من القيء والإسهال لدى الرضع الذين لا تزال أجهزتهم الهضمية والمناعية في طور النمو.
وقد طال قرار السحب بشكل مباشر علامتين تجاريتين بارزتين في السوق الفرنسية وهما “بوبوت” (Popote) التي سحبت دفعتين من منتجاتها للمرحلة الأولى، وشركة “فيتاجيرمين” (Vitagermine) المالكة للعلامة الشهيرة “بيبي بيو” (Babybio) التي حددت ثلاث مجموعات لسحبها الفوري كإجراء احترازي.
ومن جانبها، أكدت شركة “فيتاجيرمين” أن هذا التحرك لا يعني بالضرورة تلوثا مؤكدا بالمعنى التقليدي، بل هو امتثال طوعي وسريع للحدود “المعززة” للسلامة التي فرضتها السلطات لضمان أعلى مستويات الوقاية.
ويتزامن هذا التصعيد الرقابي مع مناخ من الحذر الشديد في الأوساط الصحية الفرنسية، خاصة مع استمرار التحقيقات الجنائية المفتوحة في مدينتي بوردو وأنجي حول ملابسات وفاة رضع سبق لهم تناول حليب من إنتاج شركة “نستله”.
ورغم أن هذه التحقيقات القضائية لم تتوصل حتى اللحظة إلى إثبات صلة مباشرة أو علاقة سببية يقينية بين الحليب المستهلك والأعراض القاتلة المسجلة، إلا أن الدولة الفرنسية اختارت نهج “الوقاية المطلقة” من خلال تضييق الخناق على أي شوائب بكتيرية محتملة، مما يضع قطاع صناعة حليب الأطفال تحت مجهر الرقابة الدقيقة لضمان عدم تكرار أي فواجع صحية مستقبلا.
