فيديوهات.. بين الرقص والفيضانات مؤثرون خارج زمن المأساة

في مشهد يكشف فجوة صادمة بين الواقع المعيشي وما يُعرض على الشاشات، عاشت مدينة مراكش، يوم الجمعة 6 فبراير، على إيقاع حفل صاخب قادته إحدى المشهورات على “تيكتوك”، المعروفة بلقب افلاطونة، وبحضور عدد من صناع المحتوى، في وقت كانت فيه مدن الشمال، وعلى رأسها القصر الكبير، تواجه كارثة إنسانية حقيقية: فيضانات تجرف المنازل، أسر تُجبر على النزوح، ممتلكات تضيع تحت الوحل، ونداءات استغاثة تبحث عمّن يسمعها.

بين صور الأطفال المرتجفين من البرد، والنساء اللواتي فقدن أثاث بيوتهن وملابس أسرهن، كان مشهد آخر يُبث على المنصات: رقص، ضحك، أضواء، وكاميرات، بل واستعراض لافت للملابس الفاخرة، والحليّ الذهبية، والماركات، في مفارقة بدت لكثيرين أقرب إلى الاستفزاز منها إلى “الترفيه”.

https://vt.tiktok.com/ZSawNrNqD/

لم يعد الأمر يتعلق بمجرد “توقيت غير موفق”، بل بسياق أخلاقي غائب. فالتباهي بثمن الفساتين والساعات ووزن الذهب، بينما تغمر المياه غرف نوم البسطاء، يحوّل المشهد من احتفال عادي إلى استعراض طبقي فجّ فوق جراح مفتوحة. أي رسالة تصل إلى أسرة فقدت خزانتها وثياب أطفالها، حين ترى من يعدّد أسعار حذائه وعدد غرامات حليّه؟ وأي إحساس بالانتماء يبقى حين يرتفع بريق المجوهرات فوق صرخات من يبحثون عن بطانية جافة؟

لقد كشفت هذه اللحظة مرة أخرى وجهاً مقلقاً في ثقافة “التأثير الرقمي”، حيث تحوّل بعض صناع المحتوى من منصات يُفترض أن تعكس نبض المجتمع إلى واجهات لواقع منفصل عن معاناة الناس. ففي الوقت الذي كان فيه سكان مناطق منكوبة ينقذون ما تبقى من متاعهم بأيديهم العارية، كان آخرون ينقذون “الترند”، ويصنعون من الأضواء بديلاً عن الضوء المسلط على الألم.

https://vt.tiktok.com/ZSawNegHM/

المسألة هنا ليست حرباً على الفن أو الفرح أو حرية اللباس، بل سؤال عن الإحساس باللحظة. ففي أزمنة الشدّة، تُختبر القيم قبل الأذواق، ويُقاس الوعي قبل عدد المتابعين. الشهرة، حين تنفصل عن المسؤولية، تتحول إلى ضجيج فارغ، والتأثير بلا بوصلة إنسانية يصبح مجرد استعراض.

إن ما حدث ليس مجرد حفل في مدينة سياحية، بل صورة رمزية لواقع رقمي يرى في الكارثة خلفية تصوير، وفي الألم مادة عابرة وسط سيل المحتوى. وهنا تكمن الخطورة: تطبيع اللامبالاة، وتقديمها في قالب احتفالي.

حين تغرق البيوت في الوحل، لا يُطلب من أصحاب المنصات أن يتحولوا إلى أبطال، بل فقط أن يتذكروا أنهم جزء من مجتمع يتألم. فالكلمة قد تكون بطانية، والمنشور قد يكون نداء، والمنصة قد تكون جسراً للتضامن لا مسرحاً للاستعراض.

في لحظات كهذه، لا يُقاس الإنسان بما يرتديه، بل بما يقدّمه، ولا تُقاس الشهرة بعدد المشاهدات، بل بقدرتها على أن تكون صوتاً للمنكوبين لا موسيقى تغطي على صرخاتهم.
https://vt.tiktok.com/ZSawNCqNH/

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد