بعيدا عن لغة البلاغات الجافة، كتبت كلية الطب والصيدلة بمدينة العيون فصلا إنسانيا مؤثرا، حين اختارت أن تجعل من المعرفة الطبية فعلا ميدانيا، ومن التضامن ممارسة واقعية، عبر قافلة طبية شقت طريقها من جنوب المملكة نحو جماعة أونان بمنطقة باب برد، التابعة لإقليم شفشاون.

في منطقة أنهكها البرد القارس وخلفت التساقطات المطرية الكثيفة آثارا صحية واجتماعية ملموسة، حضرت القافلة لا كضيف عابر، بل كاستجابة عملية لحاجة حقيقية. طلبة وأطر كلية الطب والصيدلة بالعيون نزلوا إلى الميدان، حاملين خبرتهم وروحهم التطوعية، ليقدموا فحوصات واستشارات طبية لفائدة الساكنة، في مشهد اختلطت فيه المهنية الطبية بالبعد الإنساني العميق.

اللافت في هذه المبادرة أنها لم تكن فعلا معزولا أو تحركا ظرفيا، بل ثمرة رؤية واعية للسيدة عميدة الكلية، التي جعلت من المؤسسة الجامعية جسرا بين العلم وخدمة المجتمع. رؤية حظيت بتقدير واسع داخل مدينة العيون، حيث ينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها امتدادا طبيعيا لدور الجامعة المواطنة، قبل أن تكسب احترام وامتنان ساكنة مناطق شفشاون الجبلية التي لمست أثر المبادرة مباشرة.
وإلى جانب الأطر الطبية، تكاملت الجهود ميدانيا مع الهلال الأحمر المغربي بإقليم شفشاون وفرع باب برد، الذين أمنوا الجوانب التنظيمية واللوجستيكية، بدعم من السلطات المحلية وإدارة المؤسسة المحتضنة، ما وفر شروط النجاح لهذه القافلة في سياق جغرافي ومناخي صعب.

هكذا، لم تكن القافلة مجرد خدمات صحية مؤقتة، بل رسالة واضحة مفادها أن المسافة بين رمال الجنوب وجبال الشمال لا تقاس بالكيلومترات، بل تختصر في قيم التضامن والتكافل. مبادرة أكدت، مرة أخرى، أن الجسد المغربي واحد، وأن حين يشتد البرد في أقصى الشمال، يمكن لدفء المبادرات القادمة من الجنوب أن يخفف وطأته.

