موائد الرحمان بمراكش… بين الغياب وضرورة الإحياء

لطالما كانت موائد الرحمان في مراكش أكثر من مجرد وجبات مجانية للفقراء والمحتاجين؛ كانت علامة على الكرم المغربي الأصيل وصرحاً من صروح التضامن الاجتماعي، حيث يجد العمال اليوميون وذوو الدخل المحدود لحظة راحة ووجبة تُعينهم على مواجهة يومهم الصعب.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ هذا المشهد يختفي تدريجياً. أصبحت الطوابير أقل، وتقلصت المبادرات الفردية والجمعوية، حتى بدا أن موائد الرحمان أصبحت جزءاً من الماضي. الأسباب متعددة:
الضغوط الاقتصادية: ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة تكاليف التشغيل جعل استمرار التمويل العفوي صعبا على الكثير من المتبرعين.
قلة التنسيق: غياب التخطيط بين الجمعيات والمبادرات المحلية أدى إلى فقدان الاستمرارية في بعض المناطق.
تغير القيم الاجتماعية: الانشغال اليومي والمشاكل الشخصية جعل بعض أفراد المجتمع أقل اهتماما بالمبادرات الخيرية.
اختفاء هذه الموائد لا يترك فراغا غذائيا فحسب، بل يعكس هشاشة الدعم غير الرسمي الذي كان يشكل شبكة أمان للمحتاجين. وهو تذكير بأن الإنسانية، مثل الاقتصاد أو السياحة، تحتاج إلى تنظيم واستثمار مستمر.
الحل لا يكمن في الاعتماد على العطاء الفردي فقط، ولا على الدولة وحدها. المطلوب تنسيق مؤسسي ومبادرات تطوعية فعّالة، مع ربط هذه الموائد بمشاريع اجتماعية مستدامة، لضمان استمراريتها وتأثيرها. يمكن لمراكش أن تستعيد بذلك سمعتها كمدينة للكرم والإنسانية، كما كانت دوما.
إن عودة موائد الرحمان ليست مجرد مسألة وجبات مجانية، بل هي استعادة لروح المجتمع وأحد أهم مؤشرات التضامن الإنساني. فالمجتمع الذي ينسى ضعفاءه، حتى ولو كان غنيا بالثقافة والسياحة، يخسر جزءا من إنسانيته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد