ليست العلاقات بين الدول مجرد توازنات عابرة تحكمها انفعالات اللحظة، بل هي في جوهرها بناء تراكمي تشكله الجغرافيا، وتُثبّته المصالح، وتمنحه السياسة معناها العملي. ومن هذا المنظور، فإن ما يربط الرباط بمدريد اليوم لا يمكن اختزاله في عناوين مثيرة أو سرديات مرتجلة، لأن العلاقات الراسخة لا تهتز أمام عاصفة ادعاء، ولا تنقضها شائعة مهما علا صداها.
في كل مرحلة يتعزز فيها التقارب المغربي الإسباني، يعود إلى السطح ملف “بيغاسوس” كأنه لازمة محفوظة في خطاب بعض المنابر، تستدعى كلما ضاقت زوايا التأويل. غير أن تحويل قضية تقنية معقدة إلى أداة تفسير شامل لمسار سياسي استراتيجي، ليس سوى تبسيط مخل يفتقر إلى عمق القراءة واتساع الرؤية. فالدول لا تعيد صياغة مواقفها المصيرية تحت وطأة رواية إعلامية، ولا تعيد ترتيب أولوياتها استجابة لابتزاز مفترض لم تثبته جهة قضائية.
إن اختزال تحول الموقف الإسباني من قضية الصحراء في فرضية “الضغط الاستخباراتي” يتجاهل ما هو أبعد وأعمق: تحولات في الإدراك الاستراتيجي، وإعادة تموضع في فهم المصالح، واستحضار لثقل الجغرافيا التي لا تقبل المجازفة. فإسبانيا، وهي تدرك حساسية مجالها الحيوي في الجنوب، تعلم أن استقرار الضفة المقابلة ليس تفصيلا عابرا، بل ركيزة من ركائز أمنها القومي وتوازنها الداخلي.
ثم إن منطق الدولة، حين يشتغل، يحتكم إلى معطيات ملموسة لا إلى ظنون عائمة. التحقيقات الرسمية لم تُفضِ إلى إدانة المغرب، والاتهامات ظلت معلّقة في فضاء التأويل، بلا سند قضائي حاسم. ومع ذلك، يستمر بعض الخطاب في تكرار الفرضية ذاتها، وكأن التكرار يغني عن البرهان، أو كأن كثافة الضجيج تعادل قوة الدليل.
العلاقات المغربية الإسبانية اليوم ليست علاقة ظرفية تحكمها ردود الفعل، بل شراكة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والهجرة والاقتصاد والطاقة، وتمتد إلى رهانات رمزية كبرى تعكس منسوب الثقة المتبادل. وهذه الشراكة، بما تحمله من أبعاد استراتيجية، أسمى من أن تختزل في رواية تجسس غير محسومة.
في الفلسفة السياسية، ثمة فارق بين الحدث والخطاب عنه؛ بين الوقائع كما تتشكل في ميزان المصالح، والصور التي يعاد إنتاجها في فضاء السجال. وما يجري اليوم يندرج في هذا الفارق: مسار واقعي يتقدم بثبات، يقابله خطاب يسعى إلى التشكيك فيه كلما اتسعت دوائره.
قد تنجح بعض الأصوات في إثارة الشكوك أو تغذية الريبة، غير أن التاريخ الدبلوماسي لا يكتب بالمقالات العابرة، بل بالخيارات السيادية المتأنية. وحين تتلاقى إرادتان سياسيتان على أساس من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، فإن ما عدا ذلك يظل صدى عابرا في فضاء أوسع، تحكمه حقائق الجغرافيا ومنطق الدولة.
