بين الحقيقة والإشاعة: الحفاظ على الأمن والإحساس بالاستقرار في زمن التضليل الرقمي

في كل مرة يحقق فيها المغرب تقدما ملموسا في مجالات الأمن ومكافحة الجريمة، تظهر في الفضاء الرقمي روايات مريبة تحاول الإيحاء بعكس ذلك تماما. فبدل الاعتراف بالجهود المبذولة لحماية المجتمع، تنتشر قصص مبالغ فيها أو غير دقيقة، تُقدَّم وكأنها تعكس واقعا عاما، بينما هي في الحقيقة مجرد حوادث معزولة يتم تضخيمها وإخراجها من سياقها.

هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة. فطريقة انتشار تلك السرديات تكشف أنها تُبنى على تحويل وقائع فردية إلى ما يشبه الظواهر الخطيرة، بهدف زرع القلق داخل المجتمع والتشكيك في أحد أهم عناصر استقراره: الشعور بالأمن. وحين يُستهدف هذا الإحساس الجماعي، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد تداول أخبار مضللة، بل بمحاولة التأثير على صورة بلد بأكمله.

ما شهدناه خلال الأيام الأخيرة مثال واضح على ذلك. فقد اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي روايات مرعبة تتحدث عن شبكات مزعومة لاختطاف الأطفال والاتجار بأعضائهم. غير أن هذه الادعاءات لم تستند إلى معطيات موثقة أو وقائع مثبتة. فحالات اختفاء القاصرين، رغم الألم الذي تسببه لأسرهم، غالبا ما تكون مرتبطة بظروف اجتماعية معروفة مثل الإهمال الأسري أو الهروب من المنزل أو استغلال الأطفال في أنشطة غير قانونية، وليس بوجود شبكات منظمة كما جرى الترويج له.

السيناريو نفسه تكرر مع بعض حوادث الاعتداء التي طالت أئمة في مناطق متفرقة. فبدل التعامل معها كوقائع منفصلة لكل منها سياقه الخاص، جرى تقديمها على أنها مؤشر على استهداف منظم لرجال الدين أو بداية توتر ديني. والحقيقة أن التحقيقات أظهرت أن بعض تلك الحوادث تعود إلى اختلالات نفسية لدى الجاني أو إلى خلافات شخصية، وهي أمور لا يمكن تعميمها أو تحميلها دلالات أكبر من حجمها.

من المهم التذكير بأن الجريمة موجودة في كل المجتمعات دون استثناء. فلا توجد دولة في العالم تخلو من مثل هذه الحوادث، مهما بلغت درجة تقدمها أو صرامة قوانينها. غير أن ما يميز الدول القوية هو قدرتها على التعامل مع الجريمة بسرعة وفعالية، سواء من خلال التدخل بعد وقوعها أو عبر العمل الاستباقي لمنعها قبل أن تتفاقم.

في هذا الإطار، تبذل الأجهزة الأمنية في المغرب جهودا كبيرة لتطوير آليات العمل والاعتماد على مقاربات حديثة تقوم على الاستباق وتحليل المخاطر، وليس فقط على التدخل بعد حدوث الجريمة. وهذه المقاربة هي التي جعلت البلاد تحافظ على مستوى مهم من الاستقرار والأمان مقارنة بالعديد من الدول.

لذلك، فإن التعامل مع الأخبار المتداولة في الفضاء الرقمي يحتاج إلى قدر من الوعي والمسؤولية. فالمعلومة غير الدقيقة قد تتحول بسرعة إلى مصدر خوف جماعي إذا لم يتم التحقق منها. وبين الحقائق والإشاعات، يبقى الرهان الأكبر هو الحفاظ على الثقة في المؤسسات وعلى الإحساس العام بالأمان، لأنه أحد أهم مقومات استقرار أي مجتمع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد