ثروات وفيرة ومعيشة متعثرة: مفارقات الاقتصاد المغربي بين الأرقام والواقع

رغم سيل الأرقام التي تقدم كل سنة عن “إنجازات” الاقتصاد الوطني، يبقى الواقع اليومي للمواطن بعيدا عن هذه الصورة الوردية. عائدات الفوسفات ترتفع، ورخص التنقيب عن المعادن تتكاثر، لكن أثر ذلك يكاد لا يُرى في مستوى العيش، وكأن هذه الثروات تدور في دائرة مغلقة لا تصل إلى جيب المواطن.
في المقابل، كلما ارتفعت الأسعار يُطلب من الناس تفهّم “الظروف الدولية”، خصوصا في ما يتعلق بالمحروقات، حيث أصبح أي توتر خارجي مبررا جاهزا لزيادات سريعة، تنعكس مباشرة على النقل والمواد الأساسية، دون أن يقابلها أي إجراء حقيقي للتخفيف من وقعها.
الوضع لا يختلف كثيرا في سوق اللحوم، فرغم الدعم العمومي الذي وُجه للقطاع، بقيت الأسعار عند مستويات مرتفعة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية هذا الدعم، ومن المستفيد الحقيقي منه، في غياب أثر واضح على المستهلك.
أما الفلاحة، التي استنزفت استثمارات ضخمة لعقود، فتعيش على وقع مفارقة واضحة: منتجات موجهة للتصدير بجودة عالية، مقابل سوق داخلية تعاني من الغلاء وندرة بعض المواد. وكأن الأولوية أصبحت للأسواق الخارجية، بينما يُترك المواطن لمواجهة الأسعار كما هي.
وفي ملف الماء، تُطرح تحلية مياه البحر كحل استراتيجي، لكن كلفتها المرتفعة تفتح نقاشا حول جدوى هذا الخيار على المدى الطويل، خاصة عندما تتحمل الدولة فارق التكلفة، في ظل ضغط متزايد على المالية العمومية.
القطاع البحري بدوره يعكس نفس التناقض؛ إنتاج وفير وتصدير قوي، يقابله ارتفاع ملحوظ في أسعار السمك محليا، ما يجعل هذه الثروة بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين.
وفي العمق، يظل الاقتصاد الوطني مرتبطا بالخارج في عدد من المواد الأساسية، من الحبوب إلى الزيوت، وهو ما يجعل السوق الداخلية رهينة للتقلبات الدولية، ويؤجل تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي طال الحديث عنه.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بندرة الموارد، بل بطريقة تدبيرها وتوزيع عائداتها. فبين أرقام تعلن عن النمو، وواقع يئن تحت ضغط الغلاء، تتسع الهوة، ويظل السؤال قائما: لمن تُخلق هذه الثروة فعليا؟
وهو السؤال نفسه الذي سبق أن طُرح بأعلى مستوى، حين جاء في أحد الخطابات الملكية التساؤل الصريح: “أين الثروة؟”. سؤال لم يكن للاستهلاك الظرفي، بل دعوة واضحة لإعادة النظر في مسارات التنمية ونماذج توزيع العائدات. وبين طرح السؤال واستمراره إلى اليوم، يبدو أن الجواب ما زال معلقا، في انتظار سياسات تُقرب الثروة من المواطن بدل أن تبقيها حبيسة الأرقام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد