تسير مدينة الدار البيضاء نحو مرحلة جديدة في تدبير مظهرها الحضري، في محاولة لإعادة الانسجام إلى واجهات بناياتها واسترجاع طابعها التاريخي الذي ارتبط بلقب “المدينة البيضاء”، وسط تزايد الانتقادات المرتبطة بتدهور المشهد البصري في عدد من الأحياء.
هذا التوجه لم يعد محصورا في دوائر المهتمين بالتخطيط العمراني، بل تحول إلى مطلب واسع لدى الساكنة، التي باتت تطالب بإجراءات عملية لتحسين صورة المدينة، خاصة مع تنامي مظاهر العشوائية في الألوان والتجهيزات المثبتة على الواجهات.
في هذا السياق، أقر المجلس الجماعي مجموعة من الضوابط الجديدة التي تلزم مالكي العقارات، سواء السكنية أو التجارية أو الصناعية، بإعادة طلاء واجهات بناياتهم بشكل دوري، وفق معايير محددة تهدف إلى تحقيق توحيد بصري يعكس الخصوصية المعمارية للعاصمة الاقتصادية.
وتنص هذه المقتضيات على اعتماد اللون الأبيض كلون أساسي للواجهات، مع تحديد ألوان مكملة للعناصر الأخرى مثل الأبواب والنوافذ، في إطار تصور يروم الحد من التباين العشوائي الذي طبع الفضاء العمراني خلال السنوات الأخيرة.
كما تلزم القواعد الجديدة بالحفاظ على صيانة مستمرة للواجهات، مع استثناء المباني التي تتوفر على كسوة من الحجر أو الرخام، حيث يكتفى بتنظيفها بمواد ملائمة تحافظ على جودتها الأصلية. وفي حال عدم التزام الملاك، تحتفظ الجماعة بحق التدخل لإنجاز الأشغال على نفقتهم.
ويعتمد تطبيق هذه الإجراءات مسارا تدريجيا، يبدأ بإشعارات رسمية تمنح مهلة للامتثال، قبل الانتقال إلى إنذارات، ثم تنفيذ الأشغال بشكل مباشر في حال استمرار المخالفة، مع استخلاص التكاليف وفق المساطر القانونية المعمول بها.
ولا تقتصر التدابير على الألوان فقط، بل تشمل أيضا منع تثبيت تجهيزات بشكل عشوائي على الواجهات، مثل الصحون اللاقطة وأجهزة التكييف، لما تسببه من تشويه للمظهر العام، مع الدعوة إلى اعتماد حلول بديلة أكثر انسجاما مع المحيط العمراني.
وتوكل مهمة المراقبة إلى أعوان مختصين يتولون رصد المخالفات وتحرير محاضر رسمية تمهد لاتخاذ الإجراءات اللازمة، في إطار تعزيز احترام القانون وتكريس مبادئ الحكامة المحلية.
ويأتي هذا الورش في وقت تعرف فيه استجابة الأحياء تفاوتا ملحوظا، إذ بادرت بعض المناطق إلى الانخراط في عمليات إعادة الصباغة، بينما تواجه أحياء أخرى صعوبات مرتبطة بالإمكانيات، ما يطرح تحدي تحقيق نوع من التوازن في تنزيل هذه الإجراءات على مستوى المدينة.
ويرى متتبعون أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بمدى قدرة السلطات على الجمع بين الصرامة في التطبيق وتوفير آليات دعم للفئات غير القادرة، بما يضمن انخراطا واسعا في هذا التحول.
وبين متطلبات التحديث والحفاظ على الهوية، تبدو الدار البيضاء أمام اختبار حقيقي لإعادة ترتيب فضائها العمراني، واستعادة صورة مدينة تجمع بين الجاذبية العصرية وعمقها التاريخي.
