عندما تتحول صفحات “البحث عن عمل” إلى واجهة مقنعة للدعارة الرقمية

أشرف بونان

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تتمثل في استغلال بعض الصفحات والحسابات التي تدّعي الوساطة في التشغيل، لتتحول في الخفاء إلى منصات لترويج الدعارة واستقطاب فتيات في وضعية هشّة.

هذه الصفحات، التي ترفع شعارات “فرص عمل فورية” أو “تشغيل بدون شروط”، تستهدف بشكل أساسي فتيات صغيرات السن، غالبا ما يكن في حاجة ماسة إلى مورد رزق، قبل أن يتم استدراجهن عبر محادثات خاصة تتطور تدريجيا إلى عروض مشبوهة تحمل في طياتها استغلالا جنسيا صريحا.

الأخطر من ذلك أن بعض من يقفون وراء هذه الحسابات يقدّمون أنفسهم كـ”مشغلين” أو وسطاء، بينما هم في الواقع جزء من شبكات غير قانونية تنشط في الاتجار بالبشر أو الدعارة المقنعة.

ولا تقف الخطورة عند حدود مسيّري هذه الصفحات فقط، بل تتعداها إلى فئة من المنتسبين إليها أو بعض المتابعين الذين يساهمون، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تكريس هذا الانحراف.

إذ يعمد بعضهم إلى البحث بطرق ملتوية عن فرص ترتبط بالربح السريع عبر استغلال الجسد بدل العمل الشريف، وهو ما يعزز منطق الدعارة كبديل زائف عن الشغل الكريم، ويخلق طلبا يغذي استمرار هذه الشبكات وانتشارها.

كما يعتمد هؤلاء على التعليقات المبطنة أو الرسائل الخاصة التي تحمل إيحاءات واضحة، في محاولة لجرّ الفتيات نحو هذا المسار، مستغلين هشاشة البعض أو قلة الوعي بخطورة هذه الممارسات، وهو ما يحول هذه الفضاءات الرقمية من منصات مفترضة للتشغيل إلى بيئة خصبة للتطبيع مع سلوكيات منحرفة وخطيرة على النسيج الاجتماعي.

الظاهرة لا تمس فقط الجانب الأخلاقي، بل تطرح أيضاً إشكالات قانونية وأمنية خطيرة، خصوصاً في ظل تنامي الجريمة الإلكترونية وصعوبة تعقب الفاعلين الذين يختبئون وراء حسابات وهمية أو خارج التراب الوطني.

وهو ما يفرض تعزيز اليقظة الرقمية، وتكثيف جهود المصالح المختصة لرصد هذه الأنشطة الإجرامية وتفكيك الشبكات التي تقف وراءها.

في المقابل، تبقى مسؤولية التوعية ملقاة على عاتق المجتمع ككل، من أسر ومؤسسات تعليمية وإعلام، من أجل تحصين الفتيات والشباب عموماً من الوقوع في شراك هذه الصفحات المضللة، والتأكيد على ضرورة التحقق من مصداقية أي عرض عمل قبل التفاعل معه.

إن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي مقاربة شمولية تجمع بين الردع القانوني، والتأطير الاجتماعي، والتربية الرقمية، حتى لا تتحول الحاجة إلى العمل إلى مدخل للاستغلال والانحراف، في زمن أصبحت فيه الحدود بين الحقيقي والافتراضي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد