في عالم الشغل الحديث، ترفع شعارات براقة من قبيل المرونة والنجاعة والتنافسية، لكن خلف هذه الكلمات الأنيقة تختبئ حقيقة أقل بريقا: نظام اقتصادي يتقن إعادة تدوير الهشاشة وتسويقها كحل عملي. هنا تحديدا تظهر شركات المناولة، ليس كفاعل اقتصادي عادي، بل كحلقة غامضة تتقن الوقوف في المنطقة الرمادية بين القانون والواقع.
في النصوص، يبدو كل شيء منظما. مدونة الشغل تتيح اللجوء إلى شركات التشغيل المؤقت في حالات محددة، كتعويض غياب أو مواجهة ضغط ظرفي في العمل. لكن ما يحدث على الأرض مختلف تماما. الاستثناء تحول إلى قاعدة، والمؤقت صار دائما، والمرونة أصبحت اسما حركيا للهشاشة. شركات المناولة لم تعد مجرد وساطة تقنية، بل تحولت إلى نموذج قائم بذاته، يشتغل بمنطق بسيط: تقليص الكلفة بأي ثمن، ولو كان الثمن هو استقرار العامل وكرامته.
نظريا، المناولة تعني تفويض مهام لشركة أخرى متخصصة. عمليا، تعني تفويض المسؤولية. الشركة الأصلية تستفيد من خدمات العمال دون أن تتحمل التزاماتهم، وشركة المناولة تتكلف بتدبيرهم دون أن توفر لهم حماية حقيقية. وبين الطرفين يقف العامل، معلقا في فراغ قانوني، يؤدي نفس العمل، لكن دون نفس الحقوق، ويخضع لنفس السلطة، لكن دون نفس الاعتراف.
الأمر لا يقف عند حدود الغموض القانوني، بل يتجاوزه إلى نموذج ربحي قائم على اقتطاع جزء معتبر من أجر العامل مقابل مجرد “توفير فرصة عمل”. العامل يشتغل، والشركة المستفيدة تدفع، والوسيط يقتطع نصيبه السخي، بينما يبقى صاحب الجهد الفعلي في أسفل السلم، يطارد استقرارا يبدو بعيد المنال. إنها معادلة اقتصادية تبدو بسيطة، لكنها في العمق تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: من يملك الحق في قيمة العمل؟
الأكثر إثارة للانتباه أن هذا النموذج يجد دائما مبررات جاهزة. التنافسية تفرض ذلك، السوق يقتضي المرونة، والاستثمار يحتاج إلى بيئة مشجعة. لكن التنافسية التي تقوم على إضعاف الحلقة الأضعف ليست سوى سباق نحو القاع، حيث يصبح تقليص تكلفة الإنسان هو المؤشر الوحيد للنجاح. في هذه اللحظة، لا يعود الحديث عن اقتصاد منتج، بل عن منظومة تعيد توزيع المخاطر نحو الأسفل، وتحتفظ بالأرباح في الأعلى.
وفي قلب هذه الدوامة، يتحول العامل إلى رقم قابل للاستبدال، يوقع عقدا لا يضمن له شيئا، ويجد نفسه كلما طالب بحقه أمام بابين مغلقين: الشركة المستفيدة تحيله على شركة المناولة، وهذه الأخيرة تعيده إلى نقطة البداية. حلقة مفرغة بإتقان إداري، حيث تضيع المسؤولية بين الفاعلين كما تضيع حقوق العمال في التفاصيل الصغيرة.
قد لا تكون كل شركات المناولة على نفس الدرجة من التجاوز، لكن الإشكال الحقيقي يظهر حين يصبح هذا النموذج هو القاعدة لا الاستثناء. حينها، لا يعود السؤال مرتبطا بمدى قانونية الممارسة فقط، بل بمدى عدالتها. لأن القانون، مهما كان دقيقا، قد يعجز أحيانا عن ملاحقة التحولات السريعة للسوق، لكن الواقع لا ينتظر.
في النهاية، تبدو شركات المناولة كمرآة تعكس اختلالا أعمق في فهم العمل نفسه. هل هو مجرد تكلفة يجب تقليصها، أم قيمة يجب حمايتها؟ وبين هذا وذاك، يستمر العامل في أداء دوره بصمت، بينما تتقاسم الأطراف الأخرى الأرباح بذكاء. وربما هذه هي المفارقة الأكثر قسوة: أن يتحول العمل، الذي يفترض أن يكون مصدر كرامة، إلى مجرد بند قابل للتفاوض في معادلة لا يملك صاحبها حق صياغتها.
لو كان كارل ماركس حيا اليوم، لربما لم يحتج إلى كتابة مجلدات جديدة، بل يكفيه أن يفتح عينيه على هذا النموذج الغريب: عامل يشتغل، شركة تربح، ووسيط يتقن فن الوقوف في المنتصف ليقتطع نصيبه دون أن يتسخ بالمسؤولية. ربما كان سيكتفي بتحديث عبارته الشهيرة: لم تعد الرأسمالية تكتفي باستغلال العامل، بل أصبحت تؤجره بالقطعة… عبر سمسار أنيق.
شركات المناولة ليست كلها سواء، نعم. لكن حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والمرونة إلى هشاشة، والوساطة إلى استغلال، يصبح الصمت نوعا من التواطؤ غير المعلن.
وعندها، لا يعود السؤال: هل هذه الشركات قانونية؟
بل يصبح السؤال الأصدق: هل ما تفعله أخلاقي… حتى لو كان قانونيا؟
