في زمن كانت فيه الكلمة مسؤولية، تحولت اليوم إلى سلعة رخيصة تُباع بالمشاهدات وتُقاس بعدد “الإعجابات”، حتى أصبحنا أمام فئة من صناع المحتوى لا تصنع شيئا سوى الضجيج. ضجيج فارغ، لكنه مربح.
هؤلاء لا يملكون مشروعا، ولا رسالة، ولا حتى الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية. كل ما لديهم هو كاميرا، وقليل من الجرأة، وكثير من الانحدار. يقتاتون على التفاهة كما يقتات غيرهم على الخبز، ويحولون الانحطاط إلى مصدر دخل مستقر.
المثير للسخرية أن بعضهم يقدم نفسه كـ”مؤثر”، والحقيقة أنه يؤثر فعلا، لكن في الاتجاه الخطأ. يؤثر في الذوق العام، فيفسده. يؤثر في القيم، فيشوهها. يؤثر في الأسرة، فيزعزع تماسكها. باختصار، تأثيرهم يشبه تسربا بطيئا للسم، لا يُلاحظ في البداية، لكنه قاتل على المدى البعيد.
فأي تأثير هذا الذي يُبنى على نشر الفضائح؟ وأي محتوى هذا الذي يقوم على اقتحام الحياة الخاصة للناس؟ بل وأي أخلاق تلك التي تجعل من التشهير مهنة، ومن الابتزاز وسيلة للربح؟
لم يعد الأمر يتعلق فقط بـ”تفاهة عابرة” يمكن تجاهلها، بل أصبح منظومة قائمة بذاتها: فيديوهات تُفبرك، صراعات تُصطنع، قصص تُختلق، و”دراما” تُطبخ على نار المشاهدات. كل شيء مباح ما دام يجلب التفاعل، حتى لو كان الثمن كرامة الناس وسمعتهم واستقرارهم الأسري.
والأدهى أن هذه النماذج تجد جمهورا، بل وتجد من يدافع عنها. جمهور يستهلك دون وعي، ويشارك دون تفكير، ويُكافئ الرداءة وكأنها إنجاز. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: المشكلة لم تعد في صانع التفاهة فقط، بل في سوق يطلبها ويمنحها الشرعية.
بعض هؤلاء تجاوز مرحلة التفاهة إلى ما هو أخطر: الابتزاز المقنع. يلوّحون بالفضائح، يلمحون دون تصريح، يضغطون على الضحية بالصمت مقابل “عدم النشر”. إنها نسخة رقمية من “بلطجية الأزقة”، لكن بواجهة أنيقة وعدد متابعين محترم.
أما الأسرة، فهي الضحية الصامتة. تُنشر أسرارها، تُستغل خلافاتها، وتُحول حياتها الخاصة إلى عرض يومي مفتوح. أطفال يكبرون وسط هذا العبث، ومراهقون يتعلمون أن الشهرة لا تحتاج إلى موهبة، بل إلى جرأة في كسر كل الحدود.
في النهاية، لسنا أمام ظاهرة بريئة، بل أمام انحراف جماعي في مفهوم النجاح. حين يصبح التفاهة طريقا مختصرا للثراء، وحين يتحول التشهير إلى محتوى، والابتزاز إلى “ذكاء”، فاعلم أن الخلل أعمق من مجرد فيديوهات تافهة.
السؤال الذي يفرض نفسه: من المسؤول؟ هل هو صانع المحتوى الذي اختار الطريق الأسهل؟ أم الجمهور الذي كافأه؟ أم المنصات التي تفتح الباب دون حسيب؟
ربما المسؤول هو هذا الثلاثي مجتمعا. لكن الأكيد أن الصمت لم يعد حلا، لأن التفاهة حين تُترك دون مواجهة، تتحول إلى ثقافة. وعندها، لا نكون فقط قد خسرنا الذوق العام، بل خسرنا شيئا أخطر بكثير: احترامنا لأنفسنا.
تعليقات الزوار
إحصائيات الموقع
-
زوار الموقعSite--K
-
فايسبوكFacebook188K
-
تويترTwitter--K
-
يوتوبYoutube58.8K
-
انستغرامInstagrame73.7K
-
تيكتوكTikTok79.6K
