النصب لم يعد خفيا، ولا يختبئ خلف ابواب مظلمة. اليوم اصبح يظهر على شاشاتنا، يبيع اوهاما، ويزرع خرافات في عقول ضعيفة بلا خجل او حياء. الدجالون الرقميون لا يحتاجون الى علم او معرفة؛ يكفي لقب لامع مثل “الفقيه” “الشريف” او “الروحاني”، او حتى ادعاء علاقات غامضة مع ما يسمى باسماء الجن، ليصبح المتابع ضحية جاهزة.
الخطورة الحقيقية ليست في الالقاب او المظاهر، بل في قدرتهم على السيطرة على العقول اكثر من كل ما يسميه الناس “روتيني اليوم”، اخطر من فيديوهات مولنيكس ومن على شاكلتهم. كل بث مباشر، كل تعليق “بارك الله فيك”، كل شهادة وهمية، هو عملية غزو للعقل بلا مقاومة، بينما غياب الردع التام جعل الساحة مفتوحة لهم بلا اي قيود. لا قانون، لا سلطة، ولا جمعية ترفع اصبعا. الصمت المستمر من المؤسسات والمجتمع جعل هذه الظاهرة تستمر وتتوسع بلا حدود.
الادهي ان الضحايا غالبا ما يتحولون الى مسوقين متطوعين: يصفقون، يدافعون، ويجلبون اخرين لتجربة نفس الوهم. وعود بـ24 ساعة، نتائج “مضمونة”،
وتعليمات مفصلة… كلها تؤجل الحل النهائي الى ما لا نهاية، وكأن الانخداع اصبح جزءا من حياتنا اليومية.
الزي، المظهر، الميولات الشخصية، او اي غرابة في تصرفاتهم، كلها اصبحت هامشية. المهم ان يسوَّق الوهم بثقة مزيفة، والجمهور يصدق بلا مقاومة. المنصات الرقمية صارت ساحة مفتوحة للنصب، والدجالون اصبحوا محترفين، والعقول بلا دفاع.
كل يوم، كل بث مباشر، كل اعلان وهمي، يضاعف تأثيرهم، ويحول النصب الى نشاط يومي طبيعي. حتى الان، لا احد يحرك ساكنا، وكأن الانخداع اصبح القانون الجديد. اذا استمر الصمت، ستظل العقول فريسة سهلة، وسيستمر النصب على الهواء مباشرة، وكأن العالم كله مجرد جمهور جاهز للتصديق والتصفير، في انتظار الحلقة القادمة من مسرحية الخداع المستمرة.
وجب على المجتمع ان يتحرك فوريا لحماية نفسه من هؤلاء الدجالين الرقميين. تفعيل المراقبة والردع ضرورة ملحة، وفرض الرقابة على المحتوى الوهمي عبر الشبكات الاجتماعية مسؤولية مشتركة بين السلطات والمجتمع المدني. لا يمكن السماح باستمرار هذا العبث الذي يهدد العقول ويقوض الثقة بين الناس. الوقاية أفضل من العلاج، والحذر واجب، قبل ان تصبح العقول اكثر عرضة للخداع بلا عودة.
