شهدت الدار البيضاء خلال الأشهر الأخيرة تحولات كبيرة في إدارة ممتلكاتها العامة، في إطار استراتيجية تهدف إلى توظيف العقارات الجماعية لخدمة مشاريع تنموية كبرى وتعزيز مكانة المدينة الاقتصادية.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى إعادة تنظيم الفضاء الحضري وتحسين جودة الحياة، مع الاستعداد للمناسبات الدولية القادمة، وعلى رأسها كأس العالم 2030. وتشكل عملية استرجاع العقارات الجماعية محورًا رئيسيًا لهذه الرؤية، إذ تسعى السلطات المحلية إلى إعادة توجيه هذه الممتلكات نحو مشاريع توفر قيمة مضافة وتفتح آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي.
وتُنفذ هذه التوجهات بالتنسيق بين مختلف الجهات المعنية، بما فيها مجلس جماعة الدار البيضاء والسلطات الترابية، بهدف تسريع إنجاز المشاريع المهيكلة. وفي هذا السياق، تقرر الشروع في هدم عدد من المنشآت بعمالة مولاي رشيد وسيدي عثمان لإفساح المجال أمام إقامة قرية رياضية بمعايير دولية.
وتشمل عمليات التهيئة مرافق رياضية وتجارية بارزة، مثل ملعب “تيسيما” وملعب الكرة المستطيلة، بالإضافة إلى سوق قطع غيار السيارات بمنطقة السالمية ومركب الفروسية الذي يعود تشييده إلى ثمانينيات القرن الماضي. ومن المتوقع دمج هذه المنشآت ضمن القرية الرياضية الجديدة، ما يفتح أفقًا لأنشطة رياضية متقدمة وفرص تشغيل متنوعة.
في المقابل، تعكف السلطات على نقل أنشطة بيع قطع الغيار المستعملة، المعروفة باسم “لافيراي”، إلى منطقة مديونة، حيث تم تخصيص موقع عقاري مجهز لاستيعاب المشروع وفق خطة منظمة. ويتجاوز المشروع مجرد النقل، إذ يشمل تهيئة شاملة للبنية التحتية من طرق وشبكات وخدمات، مع توفير فضاءات منظمة للتخزين والبيع والإصلاح، بهدف تحسين ظروف العمل للمهنيين والحد من الفوضى التي ميزت هذا القطاع لسنوات.
ويتوقع أن يساهم هذا التوجه في تخفيف الازدحام المروري وتقليل التلوث، مع تعزيز معايير السلامة داخل الأحياء السكنية. وفي الوقت نفسه، ستُستثمر العقارات المسترجعة في مشاريع استراتيجية، أبرزها مشروع “كازابلانكا تك فالي”، الذي يُتوقع أن يصبح قطبًا تكنولوجيًا متقدمًا يجذب الاستثمارات في مجالات الرقمنة والصناعات الذكية، ويخلق آلاف فرص العمل، ما يعزز مكانة المدينة على الصعيدين الوطني والإقليمي.
على صعيد متصل، واصل والي جهة الدار البيضاء-سطات، محمد امهيدية، حملته لإزالة العشوائيات والمستودعات غير القانونية، حيث بدأت بعمالة عين الشق عملية هدم سوق سيدي مسعود، بهدف توسيع الطريق وتحسين انسيابية حركة السير. وقد شملت المرحلة الأولى إزالة عدد من المحلات، على أن تُستكمل المراحل المتبقية وفق مقاربة تراعي التدرج والتوافق مع المهنيين المعنيين.
وتعكس هذه التحولات نهجًا واضحًا لإعادة رسم ملامح الفضاء الحضري في الدار البيضاء، عبر تحقيق توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضمان حقوق الفاعلين المتضررين من عمليات الهدم والترحيل. ويبقى الرهان على إدارة هذه المشاريع بما يحقق العدالة المجالية ويقلل من الآثار الاجتماعية المصاحبة، مع الحفاظ على دينامية التنمية المستدامة في العاصمة الاقتصادية.
