برنامج “انطلاقة” من قضايا تجارية إلى شكايات جنائية

بين “الأمس” و”اليوم” خيط رفيع من الأمل انقطع فجأة. بالأمس، كانت صور الشباب المقاول تتصدر منصات التتويج ببرنامج “انطلاقة”، واليوم، نجد نفس هؤلاء الشباب يقفون في طوابير الانتظار أمام مخافر الشرطة القضائية.

مفارقة تدمي القلب؛ أن تتحول “الاستمرارية” إلى “محضر”، وتتحول “أدوات العمل” إلى “مرهونات جنائية”، وينتهي الحلم بطرقة باب من ضابط شرطة ينفذ شكاية بنكية.

لقد اختارت بعض الأبناك، في سابقة خطيرة، القفز فوق أسوار المحاكم التجارية، لتسلك الطريق المختصر والوعر، وبدلا من أن تكون شريكا يواجه مع المقاول تقلبات السوق التي لا ترحم، اختارت أن تلعب دور “الجلاد” الذي يشهر سيف “تبديد المرهون” في وجه كل تعثر طبيعي.

إنها سياسة “ليّ اليد” في أبشع صورها؛ حيث يُستغل القانون الجنائي لابتزاز مقاولين شباب ووضعهم تحت ضغط نفسي هائل لا لشيء، إلا لتحصيل ديون هي في الأصل مؤمنة بـ ضمانة سيادية بنسبة 80%.

أي منطق هذا الذي يبيح مطاردة مقاول “زجريا” بسبب تلف تقني في حاسوب أو تعطل طابعة بفعل الزمن؟ وكيف نجرؤ على تسمية “التعثر التجاري” بـ “الجناية”؟ إن تحويل رجال الشرطة القضائية، الساهرين على أمن المجتمع، إلى “محصلي ديون” قسريين لصالح مؤسسات بنكية ترفض لغة “المواكبة” وتفضل لغة “الزجر”، هو ضرب في مقتل لكل شعارات تشجيع الاستثمار التي نرفعها.

إن ساعات الانتظار المُرّة في ممرات الدوائر الأمنية هي اغتيال معنوي لمستقبل هذا البلد، فالمقاول الذي يخوض مغامرة البناء بصدق ليس “مجرا”، والديون ليست “نصبا”، والواقع التقني ليس “نية إجرامية”.

ارفعوا أيديكم عن شباب “انطلاقة”. أعيدوا هذه النزاعات إلى مكانها الطبيعي بين يدي القضاة التجاريين والخبراء، وكفوا عن تلويث مسار الشباب بمحاضر الشرطة.

إن الثقة التي هي حجر الزاوية في اقتصادنا الوطني لا يمكن أن تُبنى في مخافر الأمن، بل في فضاءات الحوار والدعم والعدالة المتخصصة.

بصراحة.. عندما يتحول “طريق النجاح” إلى “طريق للمخفر”، فاعلموا أننا لا نحاكم المقاول، بل نحاكم الأمل في عيون جيل بأكمله.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد