تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الفترة الأخيرة دينامية ميدانية متسارعة تعكس توجها واضحا نحو إعادة تنظيم الفضاءات التجارية ووضع حد لاختلالات عمرت لسنوات، في إطار رؤية تروم تحسين المشهد الحضري وتعزيز جاذبية العاصمة الاقتصادية.
وتقود السلطات الترابية على مستوى جهة الدار البيضاء-سطات حملة واسعة تستهدف الحد من الاستغلال غير القانوني للملك العمومي، مع تركيز خاص على الأسواق العشوائية التي ظلت خارج أي إطار تنظيمي، ما ساهم في تفاقم مظاهر الفوضى داخل عدد من الأحياء.
وتندرج هذه التدخلات ضمن تصور استراتيجي أشمل يروم تأهيل النسيج الحضري، من خلال تحرير الفضاءات العمومية وإعادة توظيفها بما يخدم الصالح العام، سواء عبر مشاريع مهيكلة أو مرافق تستجيب لانتظارات الساكنة.
ويتم تنزيل هذه الإجراءات عبر تنسيق متكامل بين السلطات المحلية والمنتخبين والمصالح التقنية، وفق مقاربة تدريجية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، بهدف تفادي أي انعكاسات سلبية على الفئات المعنية.
وفي هذا السياق، باشرت السلطات عمليات ميدانية بسوق القريعة، همّت بالأساس أنشطة مرتبطة ببيع مواد البناء التقليدية، حيث جرى تحرير الملك العمومي من مظاهر الاستغلال غير المشروع، في خطوة لاقت تفاعلا واسعا بالنظر إلى أهمية هذا الفضاء التجاري.
كما امتدت هذه الحملة إلى عدد من النقاط التي تعرف انتشاراً للتجارة غير المنظمة، من بينها هدم سوق الهجاجمة بمقاطعة أنفا، في إطار إعادة هيكلة الفضاءات التي تشهد كثافة نشاط عشوائي، بما ينسجم مع جهود تحسين جمالية المدينة وضمان سلامة المرتفقين.
وبعمالة عين الشق، انطلقت عملية إزالة سوق سيدي مسعود القديم، في إطار مشروع يروم توسيع الطريق وتحسين حركة السير، خصوصا بالمحاور الرابطة بين طريق المطار محمد الخامس وشارع محمد السادس. وقد شملت المرحلة الأولى إزالة عدد من المحلات، على أن تتواصل العملية بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.
وتجري هذه التدخلات وفق مقاربة تشاركية مع المهنيين، حيث يُرتقب التوصل إلى صيغ توافقية تضمن التوازن بين متطلبات التهيئة الحضرية والحفاظ على مصالح التجار والحرفيين، مع الحرص على الحد من التداعيات الاجتماعية.
وفي موازاة ذلك، تتعالى أصوات تدعو إلى ضرورة تأهيل الأسواق البلدية القائمة، عبر تسريع تنفيذ برامج إعادة الهيكلة التي صودق عليها سابقا، بالنظر إلى وضعية عدد منها وتأثيرها على النشاط الاقتصادي المحلي.
وتعكس هذه التحركات دخول الدار البيضاء مرحلة جديدة في تدبير فضاءاتها الحضرية، قائمة على صرامة تطبيق القانون والبحث عن بدائل عملية تضمن التوازن بين التنظيم ومتطلبات العيش اليومي.
ويبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة مرتبطا بقدرة مختلف المتدخلين على تحويل هذه الإجراءات إلى مشاريع مستدامة، تعيد الاعتبار للفضاءات العمومية وتساهم في تحسين جودة الحياة داخل المدينة.
