حليم السريدي
بعد صلاة العصر، يشق حماد طريقه بهدوء من دكانه الصغير بأحد فنادق زنقة أهل فاس، بحي قاعة بناهيض في المدينة العتيقة لمراكش، في اتجاه سوق السماطة. خطواته محسوبة، ويده تحمل ما أنتجته أنامله خلال يوم كامل: زوجين أو ثلاثة من “البلاغي”، لا أكثر. حماد، الأمازيغي القادم من جبال الأطلس، لا يحمل معه مجرد سلع، بل يحمل حرفة قديمة، تشكلت تفاصيلها بين الجلد والخيط والصبر. في كل “بلغة” حكاية، وفي كل غرزة أثر لذاكرة لم تنقطع رغم تقلبات الزمن. ملامحه تسبق خطاه… تجاعيد عميقة حفرتها السنوات على وجهه، ليست فقط أثر عمر، بل أثر حرفة أثقلها الزمن. خطوط متشابكة كخيوط الجلد التي يحيكها، تحكي عن أيام كانت فيها “البلغة” عنوانا للعيش الكريم، قبل أن تنحني هي الأخرى تحت وطأة التحولات.
يصل إلى سوق السماطة، حيث تبدأ “الدلالة” في تشكيل مسرحها اليومي. يضع بضاعته جانبا، ويراقب عن كثب حركة الدلال، الذي يتولى عرض “البلاغي” على المهنيين والتجار، في انتظار من يرفع السعر أو يعلن اقتناءها. عيناه تترقبان أين ستستقر “الدلالة”… هل ستنتهي ببيع يضمن له قوت يومه؟ أم سيعود أدراجه بما تبقى، كما حدث غير ما مرة؟ “كنصاوب غير جوج ولا ثلاثة فنهار… والدلالة هي اللي كتقرر”، يقول حماد بصوت خافت، دون أن يبعد نظره عن الحلقة التي تتشكل وسط السوق.
في هذا الفضاء، تختصر الحرفة مسارها اليومي بين العرض والطلب. فلا بيع مباشر، ولا زبون قار، بل مزايدة تقليدية تحكمها حركة السوق وتقلباته، في زمن لم يعد يمنح الكثير من الفرص للحرف اليدوية.
ومثل غيره من صناع “البلاغي”، يعيش حماد على إيقاع موسمي، حيث تنتعش الحرفة مع اقتراب الأعياد الدينية، حين تعود “البلغة” لترافق الجلابة، وتستعيد بعضا من حضورها داخل البيوت المغربية.
أما خارج هذه الفترات، فيبقى الركود سيد الموقف. المنافسة مع الأحذية العصرية، وارتفاع أسعار الجلد، وتغير أذواق المستهلكين… كلها عوامل تضيق الخناق على هذه الحرفة، وتجعل الاستمرار فيها أشبه بمغامرة يومية.
مع اقتراب نهاية “الدلالة”، تتضح النتائج. بعض “البلاغي” وجدت طريقها إلى البيع، وأخرى بقيت تنتظر يوما آخر. يجمع حماد ما تبقى، ويستعد للعودة إلى دكانه. ملامحه المتعبة تزداد انكماشا مع كل يوم لا يكتمل فيه البيع، كأن تجاعيد وجهه تزداد عمقا كلما تراجع صدى الحرفة. لا يعلق كثيرا، يكتفي بابتسامة خفيفة ويقول: “الصنعة إلى ما غناتش، كتستر… ويمكن حتى تزيد فالعمر”.
ثم يمضي في صمت، كأن كلماته تختصر حكاية “البلغة” بمراكش… حرفة تصمد بما تبقى من روح، وتؤجل أفولها على أمل يوم يعود فيه الطلب أقوى.
بعد عاشوراء، لا يكون اللقاء هذه المرة في سوق السماطة ولا حول “الدلالة”، بل في فضاء آخر أكثر دفئا… فضاء “النزاهة”.
يجتمع الحرفيون على عادة قديمة، يساهم كل واحد منهم بنصيبه لتوفير ذبيحة، وتعد “الطناجي” المراكشية في جو جماعي تختلط فيه حرارة النار بصدق الرفقة. ومع اكتمال جمع“آيت الربعين”، يظهر “مول القراقش”، لتكتمل ملامح الفرجة.
هناك، لا حديث عن السوق ولا عن البيع، هدف كل واحد الترويح عن النفس… لحظة ينفض فيها هؤلاء عنهم تعب الأيام. ينطلق “العيط” بالصلاة والسلام على رسول الله، قبل أن يتصاعد الإيقاع تدريجيا في واحدة من أشهر تعبيرات المدينة:إنها “الدقة المراكشية”.
تتناغم “الطعارج “مع “مول الجوچة”، وتتوحد الأنفاس في إيقاع جماعي ينتهي بـ“أفوس”… ميزان موسيقي ينعش ما تبقى من روح الحرفة، وما يكفي من القوة للعودة من جديد. هناك، بعيدا عن ركود “الدلالة”، يستعيد حماد ورفاقه شيئا من الحياة… وكأن “البلغة”، التي ضاقت بها الأسواق، تجد في تلك اللحظات متنفسا آخر… ليس للبيع، بل للاستمرار.
