محمد الخامس في ذاكرة 9 أبريل.. من طنجة إلى تطوان مسيرة تحرير ووحدة وطنية

في كل ربيع، يستحضر المغاربة واحدة من أقوى اللحظات في مسار بناء الدولة الحديثة، حين تحولت الإرادة الوطنية إلى فعل سياسي جريء قاده المغفور له محمد الخامس، فكان التاسع من أبريل موعدا مع التاريخ، وذاكرة تختزل معاني الوحدة والكرامة والسيادة.
تحل هذه السنة الذكرى التاسعة والسبعون للزيارة التاريخية التي قادت سلطان البلاد إلى طنجة سنة 1947، والذكرى السبعون لرحلته إلى تطوان سنة 1956، وهما محطتان مفصليتان أعادتا رسم معالم الكفاح الوطني، ورسختا ارتباط العرش بالشعب في مواجهة الاستعمار.
لم تكن رحلة طنجة مجرد زيارة عادية، بل شكلت تحديا صريحا لسلطات الحماية، التي حاولت بكل الوسائل عرقلة هذا التوجه، غير أن إصرار محمد الخامس كان أقوى من كل الضغوط. ففي وقت كانت فيه قوى الاستعمار تسعى إلى كبح صوت المغرب، اختار الملك أن يخاطب العالم من بوابة طنجة، المدينة ذات الرمزية الدولية، ليعلن بوضوح حق المغاربة في الحرية والاستقلال.
وجاءت تلك اللحظة في سياق متوتر، خاصة بعد المجزرة الدامية التي شهدتها الدار البيضاء أيام قليلة قبل الزيارة، في محاولة لإرهاب الشعب وثني القيادة عن مواصلة مسارها. غير أن الحدث زاد من تماسك المغاربة، وعزز التفافهم حول العرش، حيث تحول الاستقبال الشعبي الحاشد للموكب الملكي إلى رسالة قوية بأن الوحدة الوطنية أقوى من كل المناورات.
في خطابه التاريخي بطنجة، وضع محمد الخامس أسس خطاب وطني واضح المعالم، موجها رسائل مباشرة إلى الداخل والخارج، مؤكدا أن استقلال المغرب ليس مطلبا ظرفيا، بل حق ثابت لا يقبل التنازل. كما أبرز رؤية متبصرة لمستقبل البلاد، قائمة على الحفاظ على وحدة التراب الوطني وصيانة كرامة الأمة.
ولم تقتصر هذه الزيارة على بعدها السياسي، بل حملت أيضا أبعادا دينية واجتماعية، تجلت في تواصل الملك مع مختلف فئات المجتمع، وفي الخطاب الإصلاحي الذي حملته الأسرة الملكية، خاصة في ما يتعلق بتعليم المرأة ودورها في بناء المجتمع.
وبعد أقل من عقد، عاد التاريخ ليكتب فصلا جديدا من نفس المسار، حين توجه محمد الخامس إلى تطوان سنة 1956، مباشرة بعد مفاوضات حاسمة مع إسبانيا، ليعلن من هناك استكمال استقلال البلاد وتوحيد شمالها بجنوبها. كان ذلك الإعلان تتويجا لنضال طويل، ورسالة بأن المغرب ماض في استعادة كامل سيادته.
وسط حشود غفيرة، صدح صوت الملك معلنا نهاية مرحلة وبداية أخرى، مرحلة الدولة المستقلة الموحدة، حيث لم يعد الشمال مفصولا عن باقي الوطن، بل جزءا من كيان واحد يجمعه تاريخ مشترك ومصير واحد.
إن استحضار هاتين المحطتين اليوم لا يندرج فقط في باب التذكير بالماضي، بل يعكس استمرارية روح وطنية متجددة، تتغذى من تضحيات السابقين، وتستمد قوتها من ارتباط المغاربة بثوابتهم. كما يشكل مناسبة لترسيخ قيم المواطنة في نفوس الأجيال الصاعدة، وتعزيز الوعي الجماعي بأهمية الوحدة الوطنية.
وفي ظل التحولات التي يعرفها المغرب اليوم، تظل تلك اللحظات التاريخية مصدر إلهام متجدد، يؤكد أن بناء المستقبل لا ينفصل عن استحضار دروس الماضي، وأن مسيرة التنمية والإصلاح التي يقودها الملك محمد السادس تجد جذورها في ذلك المسار النضالي الذي قاده محمد الخامس، واضعا أسس مغرب مستقل، موحد، ومتشبث بهويته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد