حليم السريدي
تعد مدينة مراكش واحدة من أبرز الحواضر المغربية التي تختزل تاريخا عريقا في مجال الصناعة التقليدية، حيث تشكل أسواقها العتيقة وجهة مفضلة لآلاف الزوار المغاربة والأجانب الباحثين عن الأصالة وسحر التراث.
ويبرز سوق السمارين، كأحد أهم هذه الفضاءات التي تحولت إلى ما يشبه معرضا فنيا دائما يعكس غنى وتنوع المنتوج التقليدي المغربي.
ويمتد سوق السمارين من ساحة جامع الفنا، القلب النابض للمدينة العتيقة، وصولا إلى ساحة المرابطين المعروفة بـ”سوق الشعرية”، بالقرب من القبة المرابطية بمنطقة ابن يوسف، مخترقا مساحات واسعة من النسيج التاريخي للمدينة ويحمل السوق اسمه من حرفة “السمارة” المرتبطة بالحدادة، حيث كان في بداياته فضاءً مخصصاً لتصفيح حوافر الدواب، قبل أن يعرف تحولات تدريجية فرضتها طبيعة النشاط التجاري وتطور الحاجيات، ليتحول جزء كبير منه إلى سوق لبيع الأثواب والتحف ومنتجات الصناعة التقليدية.
وعلى امتداد هذا الفضاء الحيوي، تصطف محلات تعرض باقة متنوعة من المنتجات التقليدية، تشمل الزرابي، والمنتجات الجلدية، والنحاس، والنسيج، والطرز، والملابس التقليدية، إضافة إلى الحديد المطروق، والخشب المنحوت، والشموع، والحلي ومختلف أدوات الزينة، وهو ما يجعل من التجول داخله تجربة بصرية وثقافية فريدة تستقطب الزوار من مختلف الجنسيات.
ورغم التحولات التي عرفها السوق عبر الزمن، واختفاء عدد من الحرف التقليدية أو تراجعها، إلا أن سحر الصناعة التقليدية لا يزال حاضراً بقوة، حيث عمل العديد من الصناع على تكييف منتجاتهم مع أذواق ومتطلبات السياح، مع الحفاظ على جزء من الهوية الأصيلة لهذه الحرف.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر من غرفة الصناعة التقليدية بمراكش أن سوق السمارين شهد تغيرات ملحوظة، حيث تحولت العديد من دكاكينه إلى بازارات موجهة أساساً للسياح، ما جعله أقرب إلى معرض دائم للصناعة التقليدية، مؤكداً أن التجول بين أروقته يظل متعة بصرية تعكس غنى الموروث الثقافي المحلي.
وأضاف المصدر ذاته أن السوق، إلى جانب الأسواق المتفرعة عنه، يختزل معطيات تاريخية واجتماعية مهمة تستوجب مزيداً من البحث والتثمين، حفاظاً على الذاكرة الحرفية للمدينة.
ويرتبط قطاع الصناعة التقليدية ارتباطاً وثيقاً بقطاع السياحة، حيث يشكل المنتوج التقليدي أحد أبرز عناصر الجذب، إذ يحرص السياح على اقتناء تذكارات وهدايا تعكس هوية المدينة عند نهاية زيارتهم. ويُعد هذا التكامل بين القطاعين رافعة أساسية لدينامية الاقتصاد المحلي.
وتشير معطيات مهنية إلى أن أزيد من 50 في المائة من سكان مدينة مراكش ينشطون في قطاع الصناعة التقليدية، فيما يبلغ عدد العاملين فيه على مستوى الجهة حوالي 120 ألف شخص، أي ما يعادل 9 في المائة من اليد العاملة وطنياً. كما تساهم مقاولات القطاع بنسبة تقارب 15 في المائة من رقم المعاملات الوطني.
ويحتل قطاع النسيج صدارة الأنشطة الأكثر حضوراً بنسبة تناهز 29 في المائة، متبوعا بمنتجات الحديد المطروق، ثم الفخار والصناعة الجلدية، وهي منتجات تحظى بإقبال كبير في الأسواق الدولية، خاصة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا.
ويراهن قطاع الصناعة التقليدية، الذي يشهد تطورا مستمرا، على إرساء منظومة تكوين حديثة ومهيكلة تضمن استمرارية الحرف التقليدية وتطويرها، بما يستجيب لمتطلبات السوق ويحافظ في الآن ذاته على أصالتها.
