في الصويرة.. حين تبطئ الرياح الزمن وتروي المدينة حكايتها

منذ المدخل الشمالي لمدينة الصويرة، يبدأ الإيقاع في التباطؤ. الطريق نفسها توحي بأنك تقترب من فضاء مختلف، مدينة لا تستعجل أحدًا، ولا تغري بالصخب، بل تستدرجك بهدوء إلى داخلها، كما لو أنها تعرف أنك جئت تبحث عن شيء لا يرى.

عند أول تماس مع الأسوار العتيقة، يبدو البحر أقرب مما تتصور. الرياح هنا لا تهب فقط، بل تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة: في وجوه الناس، في وقع الخطى، في رائحة الملح التي تعانق المكان. كل شيء في موغادور يتحرك على مهل، وكأن الزمن نفسه قرر أن يتخفف من سرعته.

الميناء… ذاكرة زرقاء مفتوحة على الأفق في الميناء، تتراص القوارب الزرقاء في انتظام يكاد يكون لوحة تشكيلية. الصيادون يباشرون عملهم بصمت مألوف، يفرغون شباكهم، يتبادلون كلمات مقتضبة، فيما تحلق النوارس فوقهم في دوائر لا تنتهي.

هنا، لا يحتاج المشهد إلى تعليق… يكفي أن تقف لدقائق لتفهم أن الصويرة لا تُحكى، بل تُرى وتُحس على بعد خطوات، تنفتح الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة.

جدران بيضاء، أبواب زرقاء، نوافذ نصف مفتوحة، وأصوات خافتة تتسرب من الداخل. في هذه المساحات، يجد الرسام موضوعه دون بحث، ويجد الكاتب جملته الأولى دون عناء.

مدينة تلهم… دون أن تتكلموليست مصادفة أن تكون الصويرة محطة دائمة للفنانين. هنا، الضوء مختلف، والظل له معنى، والوجوه تحمل قصصًا غير مكتوبة.

رسامون يثبتون لوحاتهم قرب الأسوار، موسيقيون يعزفون في زوايا هادئة، وكتاب جلسوا يومًا في مقاهيها يلاحقون فكرة أو يستعيدون ذاكرة.

تقول فنانة تشكيلية جاءت من أوروبا، وهي تراقب الموج:
“في الصويرة لا أرسم البحر… البحر هو من يرسم داخلي.”
بهذا المعنى، تتحول المدينة إلى ورشة مفتوحة للإبداع، دون ضجيج، دون إعلان.

حين تتحول المدينة إلى منصة… كناوة تعيد تعريف المكان لكن الصويرة، رغم هدوئها، تعرف كيف ترفع صوتها حين يحين الوقت.

خلال مهرجان كناوة وموسيقى العالم، تتغير الوجوه دون أن تتغير الروح. ساحة مولاي الحسن تمتلئ، الإيقاعات الإفريقية تمتزج بالنفحات الصوفية، والمدينة تتحول إلى مسرح مفتوح.

ليست مجرد حفلات موسيقية… بل لحظة تتقاطع فيها ثقافات متعددة، في مدينة تعودت منذ قرون على التعايش والانفتاح.

في تلك الأيام، تبدو الصويرة وكأنها تقول للعالم: الهدوء لا يعني الغياب… بل اختيار اللحظة المناسبة للكلام.
الحايك… غياب يمر بصمت بعيدا عن صخب المهرجانات، وفي عمق الأزقة، تحضر حكاية أخرى… أقل ضجيجا، لكنها أكثر عمقا.

الحايك، ذلك اللباس الأبيض الذي كان يرافق نساء الصويرة، لم يعد يرى إلا نادرا.

سيدة مسنة تجلس قرب باب منزلها تقول بهدوء:
“كنا نخرج به كل يوم… اليوم لم يعد أحد يسأل عنه.”
لم يكن الحايك مجرد لباس، بل جزء من هيئة المدينة. كان يمنح حضورًا خاصًا للمرأة، ويضفي على الفضاء العام نوعًا من الوقار الصامت.

اليوم، تراجع حضوره أمام تغير أنماط العيش، ودخول الأزياء العصرية، وتسارع الإيقاع اليومي. الجيل الجديد لم يعد يرى فيه ضرورة، بل ربما قيدا لا يتناسب مع زمن مختلف.

يقول أحد المهتمين بالتراث: “اختفاء الحايك ليس مجرد تغير في اللباس… بل انتقال من زمن إلى آخر.”
مدينة لا تُختصر في الصويرة، لا شيء يُفرض عليك.

يمكنك أن تمشي لساعات دون هدف، أن تجلس في مقهى دون أن تتحدث، أن تراقب البحر دون أن تنتظر شيئًا.
المدينة لا تقدم نفسها دفعة واحدة، بل تكشف عن تفاصيلها تدريجيًا.

صوت باب يفتح ببطء، رائحة سمك مشوي، أو نغمة بعيدة لعازف كناوي… كلها أجزاء من حكاية لا تنتهي.
موغادور ليست فقط مدينة الرياح،بل مدينة تعرف كيف تحتفظ بروحها، حتى وهي تتغير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد