لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتواصل وتبادل الأفكار كما كانت في بداياتها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات مفتوحة للسب والقذف والتشهير، حيث يُطلق العنان للكلمات الجارحة دون ضوابط أو مساءلة حقيقية. هذه الظاهرة المتنامية تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة التحول الذي أصاب السلوك الاجتماعي في الفضاء الرقمي، وحول ما إذا كنا أمام شكل جديد من أشكال تفريغ الكبت الأخلاقي والنفسي.
في هذا السياق، يبدو أن ما يحدث ليس مجرد انحراف فردي معزول، بل هو انعكاس لتحولات أوسع في البنية القيمية للمجتمع. فسهولة الاختباء خلف الشاشات والأسماء المستعارة تمنح الأفراد شعورا زائفا بالقوة والإفلات من العقاب، ما يشجع على قول ما لا يمكن قوله في الواقع. وهنا تتلاشى الحدود بين حرية التعبير والإساءة، ويصبح الخطاب العدائي أمرا عاديا بل ومبررا لدى البعض.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي يعيشها الأفراد. فالإحباط، والشعور بالتهميش، وغياب قنوات التعبير الصحية، كلها عوامل تدفع البعض إلى تفريغ غضبهم في الفضاء الرقمي. لكن الخطير في الأمر هو أن هذا التفريغ لا يتم بشكل عابر، بل يتحول إلى سلوك متكرر ومقبول ضمنيا، خاصة عندما يحظى بالتفاعل والإعجاب، ما يخلق نوعا من “التطبيع” مع العنف اللفظي.
كما أن خوارزميات المنصات الرقمية تلعب دورا غير مباشر في تغذية هذا السلوك، إذ تميل إلى إبراز المحتوى المثير للجدل والصادم لأنه يحقق نسب مشاهدة وتفاعل أعلى. وهكذا، يجد الخطاب المتطرف والمهين طريقه إلى الانتشار، بينما يتراجع الخطاب الرصين والعقلاني.
الأخطر من ذلك هو أثر هذه الممارسات على النسيج الاجتماعي. فالتشهير لا يقتصر على تشويه سمعة الأفراد، بل يزرع الشك وانعدام الثقة داخل المجتمع، ويؤدي إلى تآكل القيم المشتركة التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية. كما أن الضحايا، في كثير من الأحيان، يدفعون ثمنا نفسيا باهظا قد يصل إلى العزلة أو الاكتئاب.
أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة التفكير في كيفية التعامل مع الفضاء الرقمي، ليس فقط من خلال القوانين الرادعة، بل أيضا عبر تعزيز التربية الرقمية والأخلاقية، وترسيخ ثقافة المسؤولية في التعبير. فحرية الرأي لا تعني بأي حال من الأحوال انتهاك كرامة الآخرين.
في النهاية، ما نراه على مواقع التواصل ليس مجرد “تنفيس” عابر، بل مؤشر على خلل أعمق في منظومة القيم والسلوك. وإذا لم يتم التعامل معه بوعي جماعي، فقد يتحول هذا الفضاء من وسيلة للتقارب إلى أداة للتفكك الاجتماعي.
