بين منطق الإنجاز وضجيج الوعود… هل استوعبت الأحزاب رسالة “السرعتين”؟

في كل محطة انتخابية، يتكرر المشهد ذاته: خطابات مرتفعة النبرة، ووعود تتكاثر بلا سقف، وكأن الزمن السياسي لا يحتكم إلى ذاكرة المواطنين ولا إلى منطق الإنجاز. غير أن اللحظة الراهنة تبدو مختلفة، ليس فقط بحكم السياق، ولكن لأن ملامح الطريق صارت أوضح من أي وقت مضى، والمعطيات لم تعد قابلة للتأويل أو المزايدة.

لقد دخلت السياسات العمومية مرحلة جديدة، عنوانها الدقة في التشخيص، والوضوح في الأهداف، وربط المسؤولية بالفعل الملموس. البرامج التنموية لم تعد شعارات عامة، بل تحولت إلى أوراش محددة، مؤطرة برؤية متكاملة، تُقاس نتائجها بوقعها على حياة الناس، لا ببلاغة من يروج لها. وهنا تحديدا يبرز الاختلال: بين من يمتلك تصورا متماسكا ويسابق الزمن لتنزيله، وبين من لا يزال أسير خطاب استهلاكي يكرر نفسه كل موسم انتخابي.

وفي هذا السياق، جاءت الإشارة الواضحة التي وردت في خطاب جلالة الملك محمد السادس، حين نبه إلى أن المغرب لا يمكن أن يستمر بمنطق “سرعتين”، في إشارة إلى الفوارق التي تطال مجالات متعددة، سواء على مستوى التنمية أو في نجاعة الأداء المؤسساتي. لم يكن ذلك مجرد توصيف لوضع قائم، بل دعوة صريحة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتسريع وتيرة العمل، وضمان عدالة أكبر في توزيع ثمار التقدم.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل التقطت الأحزاب عمق هذه الرسالة؟ أم أنها اكتفت بترديدها دون أن تجعل منها منطلقا لتصحيح مسارها؟

المقصود بالسرعتين ليس فقط تفاوتا اجتماعيا أو مجاليا، بل أيضا فجوة في منطق التفكير والعمل. هناك من يشتغل وفق رؤية واضحة وإيقاع سريع، حيث تُترجم القرارات إلى مشاريع ملموسة ضمن آجال محددة، وهناك من لا يزال يتحرك بوتيرة بطيئة، يستهلك الوقت في الجدل والخطابة، دون أن يترك أثرا حقيقيا على أرض الواقع. هذه الازدواجية لا تعكس فقط اختلالا في التنمية، بل تكشف أيضا عن خلل في الثقافة السياسية نفسها.

الرهان اليوم لم يعد في من يقنع أكثر بالكلام، بل في من يبرهن أكثر بالفعل. المواطن لم يعد ينتظر معجزات، بقدر ما يبحث عن مصداقية، وعن قدرة حقيقية على تحويل البرامج إلى نتائج. وهذا يضع الفاعل الحزبي أمام مسؤولية مضاعفة: إما أن يواكب هذا التحول بمنطق عملي ينسجم مع التوجيهات الملكية، أو أن يظل خارج سياق يتقدم بسرعة.

إن أخطر ما يهدد الفعل السياسي ليس ضعف الإمكانيات، بل ضعف الجدية. حين تتحول الانتخابات إلى سباق نحو إطلاق وعود غير قابلة للتحقق، تفقد السياسة معناها، وتتحول المؤسسات إلى فضاءات شكلية لا تعكس انتظارات المجتمع. وحين يغيب الوضوح في الرؤية، يصبح الزمن السياسي مجرد وقت ضائع، تُهدر فيه فرص ثمينة كان بالإمكان استثمارها.

المفارقة أن الحاجة اليوم ليست إلى أفكار جديدة بقدر ما هي إلى إرادة لتنفيذ ما هو قائم بالفعل. فالتحديات معروفة، والأولويات محددة، والوسائل متاحة، لكن الحلقة المفقودة تظل في القدرة على الإنجاز، وفي الجرأة على تحمل المسؤولية كاملة دون الالتفاف عليها بخطابات فضفاضة.

إن المرحلة تفرض فرزا حقيقيا: بين من يمارس السياسة كالتزام ومسؤولية، وبين من يتعامل معها كفرصة موسمية. وبين من يشتغل بمنطق النتائج، ومن يكتفي بإتقان فن الكلام. وفي النهاية، لن يكون الحكم إلا لما يراه المواطن على أرض الواقع، لا لما يسمعه في المنصات.

فزمن الاكتفاء بالوعود قد ولى، والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم: هل ستتحول إشارة جلالة الملك إلى منطلق فعلي للإصلاح، أم ستظل مجرد عنوان يُستحضر في الخطابات… ويُنسى في الممارسة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد