عبد الحليم السريدي
الزيارة الثانية: “القاضي عياض.. حين يصبح العلم جزءاً من روح مراكش
“في هذه الرحلة عبر مسار الزيارة السبعية، نحلّ في هذه الحلقة عند مقام القاضي عياض، حيث يلتقي المكان بالذاكرة، وتُروى سيرة واحد من أبرز أعلام العلم في تاريخ المغرب.”
على مقربة من باب أيلان، يتغير إيقاع المدينة.
الأزقة أضيق، والخطوات أهدأ، وكأن المكان يهيئ زائره لشيء مختلف… هنا لا يبدأ المشهد بالدعاء فقط، بل بالاسم: القاضي عياض.
اسمٌ لا يمر في مراكش مروراً عادياً، لأنه لا يرتبط بمقام روحي فقط، بل بتاريخ علمي ما يزال صداه ممتداً.
من سبتة إلى مراكش… مسار عالم
وُلد أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي سنة 476هـ بمدينة سبتة، في بيئة علمية صاغت ملامح تكوينه المبكر.
تلقى علوم الحديث والفقه المالكي على كبار شيوخ عصره، قبل أن يتولى القضاء، حيث عُرف بدقته واستقلاله في إصدار الأحكام.
تنقل بين سبتة والأندلس، واشتغل بالتدريس والتأليف، حتى صار اسمه من الأسماء المرجعية في الغرب الإسلامي، في زمن كان فيه العلم أحد أبرز معايير المكانة.
“الشفا”.. كتاب تجاوز الزمن
وسط مؤلفاته الكثيرة، ظل كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى هو الأبرز.
ليس فقط لانتشاره، بل لأنه جمع بين العلم والمحبة، في تناول مكانة النبي محمد ﷺ وحقوقه.
تحول هذا الكتاب، مع مرور الزمن، إلى نص حي داخل الثقافة المغربية، يُقرأ في المساجد، ويُتلى في المناسبات، ويُستحضر في المجالس…
كأن القاضي عياض لم يكتب كتاباً فقط، بل أسس تقليداً.
مقام مختلف… وزائر مختلف
عند الضريح، يبدو المشهد أكثر هدوءاً مقارنة بمحطات أخرى.
الزوار هنا لا يكتفون بقراءة الفاتحة، بل يقفون طويلاً، كأنهم أمام اسم يعرفونه مسبقاً.
بعضهم يهمس: “صاحب الشفا”…
آخرون يكتفون بالصمت، فيما يشرح أحد المرافقين سيرة الرجل لزائر جاء بدافع الفضول.
في هذا المكان، لا تحضر الروحانية وحدها، بل يحضر العلم أيضاً.
من الصبر إلى العلم… تدرج المعنى
بعد مقام يوسف بن علي الصنهاجي، حيث كانت البداية بالصبر، تأتي محطة القاضي عياض لتعلن تحولاً واضحاً في مسار الزيارة:
الطريق لا يكتمل دون علم.
هذا التدرج، الذي نظمه السلطان مولاي إسماعيل، يعكس فهماً عميقاً لمسار التزكية:
صبر يُهيئ النفس… وعلم يوجهها.
قد لا يحمل الزائر معه تفاصيل دقيقة عن حياة القاضي عياض،لكن اسمه يظل عالقاً… لأنه ليس مجرد عالم مرّ من هنا، بل أحد الذين جعلوا من العلم ذاكرةً للمدينة.
