رجال مراكش السبعة.. رحلة في ذاكرة الروح

عبد حليم السريدي 

الزيارة الثالثة: “أبو العباس السبتي.. وليّ جعل من الصدقة طريقاً إلى القلوب”

“في هذه الرحلة عبر مسار الزيارة السبعية، نحلّ في هذه الحلقة عند مقام أبو العباس السبتي، حيث يلتقي المكان بالذاكرة، وتُروى سيرة رجل جعل من الإحسان مذهباً ومن العطاء أسلوب حياة.”

عند باب تاغزوت، حيث تختلط حركة الأسواق بنداءات الباعة، يتخذ المشهد إيقاعاً مختلفاً.

المدينة هنا أكثر حيوية، لكن داخل هذا الصخب، يقودك الطريق إلى مقام يحمل معنى آخر… معنى العطاء.

إنه مقام سيدي بلعباس السبتي، أحد أشهر أولياء مراكش، وأكثرهم ارتباطاً بحياة الناس اليومية.

من سبتة إلى مراكش… سيرة رجل بين العلم والزهد

هو أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي، وُلد بمدينة سبتة خلال القرن السادس الهجري، في فترة كانت تعرف إشعاعاً علمياً كبيراً.

تلقى تعليمه في علوم الفقه والحديث، قبل أن ينتقل إلى مراكش، حيث اختار طريق الزهد والتصوف، مبتعداً عن مظاهر السلطة، ومقترباً أكثر من الناس.

ومع مرور الوقت، لم يعد اسمه مرتبطاً فقط بالعلم، بل بأسلوب خاص في العيش… أسلوب قائم على العطاء.

“الوجود ينفعل بالجود”.. فلسفة رجل

اشتهر أبو العباس السبتي بقولته التي تحولت إلى قاعدة روحية:

“الوجود ينفعل بالجود”

لم تكن مجرد عبارة، بل كانت منهجاً في الحياة.

كان يرى أن الصدقة لا تُنقص المال، بل تُصلح العالم، وأن العطاء يفتح الأبواب المغلقة.

لذلك، ارتبط اسمه في الوجدان الشعبي بـ:

إطعام الفقراء

مساعدة المحتاجين

جعل الإحسان سلوكاً يومياً لا استثناءً

مقام حي… حيث يستمر العطاء

عند الضريح، يبدو المشهد مختلفاً عن باقي المحطات.

الزوار هنا أكثر عدداً، والحركة لا تهدأ.

نساء يوزعن الطعام، رجال يضعون صدقات، وآخرون يجلسون في صمت، كأنهم يستعيدون معنى بسيطاً لكنه عميق: العطاء.

حتى الباعة القريبون من المكان، يروون قصصاً عن أشخاص يأتون إلى هنا كل أسبوع، لا لطلب شيء، بل ليعطوا.

من العلم إلى الإحسان… اكتمال المسار

بعد محطة القاضي عياض، حيث كان العلم عنوان المرحلة، تأتي محطة أبي العباس السبتي لتضيف بعداً جديداً:

العلم وحده لا يكفي… لا بد أن يتحول إلى فعل.

وهنا تتضح حكمة ترتيب الزيارة السبعية، كما رسخها السلطان مولاي إسماعيل:

صبر… ثم علم… ثم إحسان.

قد يغادر الزائر المكان وفي يده صدقة صغيرة،

لكن ما يحمله في داخله أكبر من ذلك…

فبعض الرجال لا يتركون وراءهم كتباً فقط، بل يتركون طريقة في العيش.

وأبو العباس السبتي… كان واحداً من هؤلاء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد