حين تتحول الرخصة إلى فوضى… من يحمي حق المارة؟

عصام سبادي

من يمنح الضوء الأخضر لابتلاع الأرصفة؟ وأي منطق يقبل أن يتحول حق جماعي بسيط — المشي بأمان — إلى امتياز يُنتزع بصعوبة بين الطاولات والسلع المعروضة؟ ما يحدث في عدد من الشوارع لم يعد مجرد تجاوز يمكن تبريره أو التغاضي عنه، بل وضع قائم يفرض نفسه بقوة العادة، ويختبر بشكل يومي حدود هيبة القانون وقدرة السلطات على فرضه.

المشهد واضح لمن يريد أن يرى: محلات تتوسع خارج جدرانها، مقاهٍ تتمدد إلى حدود الطريق، وأرصفة تتحول تدريجياً إلى فضاءات خاصة.

مقابل ذلك، يجد المواطن نفسه مضطرا للنزول إلى الشارع، في مفارقة تختزل اختلالا عميقا في تدبير الفضاء العمومي. هنا لا يتعلق الأمر بسلوك معزول، بل بنمط يتكرر ويترسخ، مدعوماً في كثير من الأحيان بوثيقة تُرفع في وجه كل تدخل: “الرخصة”.

القانون لا يمنح هذا الامتياز المطلق. على العكس، ينص بوضوح على أن استغلال الملك العمومي يتم بشكل مؤقت، في حدود ضيقة، ووفق شروط صارمة تضمن عدم عرقلة المرور أو المساس بحقوق العموم. الرخصة، في جوهرها، ليست سوى استثناء مقيد يمكن سحبه في أي لحظة.

لكن ما يجري على الأرض يكشف أن هذا الاستثناء يتحول، في حالات كثيرة، إلى قاعدة، وأن القيود المفترضة تذوب أمام واقع التوسع غير المضبوط.

الإشكال لا يقف عند حدود التجاوز، بل يبدأ من لحظة منح الترخيص نفسها، السلطة التقديرية الممنوحة للجماعات الترابية، رغم مشروعيتها، تتحول في غياب معايير دقيقة وشفافة إلى مساحة واسعة للتفاوت. رخص تُمنح بمساحات محدودة، ثم تتضاعف فعلياً دون مراقبة، وأخرى تبدو منذ البداية متساهلة إلى حد يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسس التي بُنيت عليها، في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة: الرصيف يتقلص، والحد الفاصل بين القانون والتجاوز يصبح ضبابياً.

وعندما تقرر السلطات التدخل، تنفجر التناقضات دفعة واحدة. أصحاب المحلات يتمسكون بما يعتبرونه حقاً مكتسباً، والسلطات تؤكد أن ما يحدث لا يمت بصلة لشروط الترخيص.

بين هذا وذاك، تتحول عمليات تحرير الملك العمومي إلى مواجهات ميدانية، تكشف أن المشكلة لم تعد فقط في احترام القانون، بل في فهمه وتطبيقه أيضاً.

لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن حسابات الربح والخسارة. استغلال الرصيف يرفع المداخيل، ويوسع النشاط التجاري، ويخلق دينامية اقتصادية لا يمكن إنكارها.

في المقابل، تستفيد الجماعات من الرسوم المفروضة على هذا الاستغلال. هذا التداخل يجعل من أي تدخل حازم قراراً ثقيلاً، تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الهواجس الاجتماعية.

لكن الثمن الذي يُدفع بصمت أكبر بكثير. حين يفقد الرصيف وظيفته، يفقد معه المواطن جزءاً من حقه في المدينة، ويتآكل الإحساس بالعدالة، وتتكرس فكرة أن القانون قابل للتأويل بحسب الموقع والقدرة على فرض الأمر الواقع.

الأخطر أن الرخصة، بدل أن تكون أداة تنظيم، تتحول إلى غطاء يضفي شرعية شكلية على ممارسات تتعارض مع روح القانون.

المعركة اليوم ليست بين تاجر وسلطة، بل بين منطقين: منطق يعتبر الفضاء العمومي حقاً جماعياً لا يقبل التفويت إلا بشروط صارمة، ومنطق آخر يراه مجالاً مفتوحاً للتوسع ما دام ذلك ممكناً.

وبين الاثنين، يبقى الرصيف — بصمته اليومي — شاهداً على اختلال لم يعد خافياً، بل صار جزءاً من المشهد الذي اعتاد عليه الجميع… إلى أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد