صنعة بلادي -الزربية (الزيانية)… هندسة الجبال حين تُترجمها أنامل النساء

عبد حليم السريدي 

في عمق الأطلس المتوسط، حيث البرد قاسٍ والطبيعة صامتة، تنسج نساء القبائل الزيانية زربية ليست فقط وسيلة للتدفئة، بل تعبيرًا بصريًا عن هوية جماعية ضاربة في التاريخ. هنا، تتحول الخيوط إلى أشكال هندسية دقيقة، تُحاكي نظام الحياة الجبلية وتوازنها. غير أن هذه الزربية، التي صمدت لقرون في وجه العزلة، تواجه اليوم تحديات جديدة في زمن لا ينتظر بطء المنسج.

هندسة تُولد من الذاكرة:

تتميز الزربية الزيانية بنقوشها الهندسية الصارمة: مربعات، معينات، وخطوط متقاطعة، تُرتّب بعناية تعكس حسًا عميقًا بالتوازن والتناظر.

ليست هذه الأشكال مجرد زينة، بل رموز تختزل معاني الحماية، الخصوبة، والانتماء للقبيلة.

ألوانها تميل إلى الدفء: الأحمر الداكن، الأسود، والبني، وهي ألوان لا تُختار اعتباطًا، بل تنسجم مع طبيعة الجبال وظروف العيش القاسية.

زربية للعيش قبل الزينة:

على عكس بعض الزرابي الحضرية، تُنسج الزربية الزيانية أساسًا للاستعمال اليومي:

للتدفئة في ليالي الشتاء القارس

كفراش داخل البيوت التقليدية

كجزء من تجهيز العروس

إنها زربية وظيفية بامتياز، حيث تسبق الحاجةُ الجماليةَ، دون أن تلغيها.

نساء القبيلة… حافظات السر:

في القرى الجبلية، تتعلم الفتاة فن النسج منذ الصغر، ليس عبر دروس، بل بالممارسة والملاحظة.

المنسج حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، والحرفة جزء من التنشئة الاجتماعية.

غير أن هذا المشهد بدأ يتغير… فالهجرة نحو المدن، وتغير أنماط العيش، جعلا هذه الحرفة تفقد بريقها لدى الجيل الجديد.

سوق يفرض إيقاعه:

تواجه الزربية الزيانية اليوم واقعًا صعبًا:

منتجات صناعية مستوردة تغزو الأسواق بأسعار منخفضة

ضعف القدرة على تسويق المنتوج التقليدي خارج المجال المحلي

تراجع الطلب الداخلي على الزرابي الثقيلة

أمام هذا الوضع، أصبحت الحرفة مهددة، ليس فقط اقتصاديًا، بل ثقافيًا أيضًا.

إكراهات الجبل:

إلى جانب ضغط السوق، تعاني هذه الحرفة من:

صعوبة الولوج إلى الأسواق الكبرى

غياب بنية تسويقية منظمة

ارتفاع كلفة المواد الأولية

قلة الدعم والتأطير للحرفيات في المناطق القروية

بين الصمود والتلاشي:

ورغم كل هذه التحديات، ما تزال بعض النساء يواصلن النسج، بدافع الحفاظ على تقليد عريق، أكثر منه بحثًا عن الربح.

إنه صمود هادئ، يشبه صمت الجبال… لكنه يحتاج إلى من يسمعه.

في الأطلس المتوسط، لا تزال الزربية تُنسج بإيقاع بطيء، لكنه عميق. وبين خيوطها الهندسية، تختبئ قصة قبيلة، وذاكرة أرض، وهوية تُقاوم التلاشي. فهل تجد هذه الزربية طريقها إلى التجدد، أم ستبقى حبيسة الجبل، تنتظر من يعيد اكتشافها؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد