عبد الحليم السريدي
الزيارة السادسة: عبد الله الغزواني.. حين يخرج التصوف إلى الناس
“في هذه الرحلة عبر مسار الزيارة السبعية، نحلّ في هذه الحلقة عند مقام عبد الله الغزواني، حيث يلتقي المكان بالذاكرة، وتُروى سيرة رجل نقل التصوف من الزاوية إلى الشارع.”
في حي القصور، لا تحتاج إلى سؤال كثير لتصل.
فالمكان لا يُعرّف فقط باسمه، بل بحركته…
أطفال يركضون، نساء يتبادلن الحديث، رجال يجلسون على عتبات البيوت، وروائح الأكل تتسلل من النوافذ.
وسط هذا النبض اليومي، يقف مقام سيدي عبد الله الغزواني…
ليس معزولاً، بل في قلب الحياة.
سيرة رجل… من التربية إلى التأثير
يُعد عبد الله الغزواني، أحد كبار أعلام التصوف في مراكش خلال القرن العاشر الهجري، وواحداً من أبرز تلامذة عبد العزيز التباع، الذي تلقى على يديه أصول السلوك والتربية داخل الطريقة الجزولية.
لكن الغزواني لم يكتفِ بدور المريد، بل انتقل سريعاً إلى موقع الفاعل داخل المجتمع.
فإذا كان التباع قد صاغ المريد، فإن الغزواني أعاد تقديم هذا المريد داخل الفضاء العام.
لقد حمل التصوف من دائرة الخاصة إلى دائرة العامة،
ومن الزاوية المغلقة إلى الحي المفتوح.
“مول القصور”.. أكثر من لقب
لم يكن لقب “مول القصور” مجرد تسمية جغرافية مرتبطة بمكان دفنه أو إقامته،
بل كان توصيفاً لوظيفته داخل المدينة.
فالقصور، في الذاكرة المراكشية، ليست فقط بنايات، بل فضاءات اجتماعية يعيش فيها الناس بتفاصيلهم اليومية:
الفقر، الحاجة، العلاقات، النزاعات الصغيرة، والتضامن أيضاً.
وهنا بالضبط، اختار الغزواني موقعه.
كان:
حاضراً بين الناس لا فوقهم
قريباً من الفقراء لا منفصلاً عنهم
وسيطاً اجتماعياً بقدر ما هو مرشد روحي
لذلك، حين قالوا “مول القصور”، لم يقصدوا المكان فقط…
بل الرجل الذي صار جزءاً من نسيج هذا المكان.
تصوف يمشي في الأزقة
ما يميز الغزواني عن غيره، أنه لم يقدّم التصوف كخطاب، بل كحضور.
لم يكن شيخ زاوية يُنتظر عنده المريدون،
بل رجل يتحرك داخل الحي، يسمع، يواسي، يوجه.
تُروى عنه حكايات كثيرة في الذاكرة الشعبية، ليس عن كرامات خارقة،
بل عن مواقف إنسانية بسيطة:
إصلاح بين الناس
مساعدة محتاج
كلمة تُقال في وقتها
وهذا ما جعله أقرب إلى الناس… وأقرب إلى الاستمرار.
مشهد حي… الولي كما كان عند مدخل الضريح، لا شيء يبدو منفصلاً عن الآخر.
امرأة تدخل مسرعة، تهمس بدعاء، ثم تعود لحياتها.
رجل يجلس قرب الباب، يراقب، يحيي، يضحك.
طفل يتوقف لثوان، ينظر، ثم يركض.
لا طقوس ثقيلة…
لا رهبة مصطنعة…
بل امتداد طبيعي لحياة الحي.
أحد السكان يقول بهدوء:
“هنا… ما كتحسش براسك غريب.”
ربما لأن صاحب المكان… لم يكن غريباً عنهم.
من التربية إلى المجتمع… اكتمال المعنى
بعد مقام عبد العزيز التباع، حيث كانت التربية هي الأساس، تأتي محطة الغزواني لتضيف بعداً حاسماً:
التصوف لا يكتمل إلا حين يُعاش بين الناس.
وهنا يكتمل البناء الذي رسخه السلطان مولاي إسماعيل:
صبر… علم… إحسان… ذكر… تربية… ثم حضور في المجتمع.
قد لا يتذكر الزائر كل التفاصيل،لكن صورة واحدة تظل واضحة:
رجل لم يعتزل الناس…
فبقي بينهم حتى بعد رحيله.
وسيدي عبد الله الغزواني… لم يكن فقط ولياً يُزار،
بل كان طريقة في القرب من الناس.
