الحوز بدون نقل… ومراكش تتحول إلى ملاذ “النقل المزدوج” الباحث عن الربح

لم يعد الحديث في دواوير وجماعات إقليم الحوز هذه الأيام عن الطرق أو الماء أو حتى آثار الزلزال، بل عن غياب “النقل المزدوج” الذي اختفى بشكل مريب، تاركا الساكنة القروية في عزلة يومية خانقة. سيارات كانت في الأصل موجهة لخدمة العالم القروي، تحولت فجأة إلى “فرائس حضرية” تجوب شوارع مراكش بحثا عن الربح السريع، في مشهد يكشف حجم الفوضى التي يعيشها القطاع.

الواقع اليوم في الحوز بسيط وقاس: رخص تمنح لخدمة مناطق محددة، لكنها تستغل خارجها دون حسيب ولا رقيب. النتيجة؟ قرى بدون وسائل نقل، وتلاميذ ومرضى وعمال يواجهون مصيرهم اليومي مع “النقل السري” أو الانتظار الطويل، بينما تتحول مراكش إلى قبلة لهذه المركبات التي فضلت المال على الالتزام.

فعاليات مدنية كانت قد نبهت منذ مدة إلى هذا الانزلاق، مطالبة بإعادة الأمور إلى نصابها، لكن يبدو أن النداءات ظلت حبيسة التصريحات. في المقابل، دخل الاتحاد المغربي العام للشغالين على الخط، محذرا من تفشي هذه الممارسات، ومراسلا السلطات الأمنية بمراكش بخصوص اجتياح سيارات النقل المزدوج للمدينة بشكل غير قانوني.

المراسلة لم تكتف بوصف الوضع، بل وضعت الأصبع على الجرح: استغلال الرخص خارج النفوذ الترابي والمسارات المحددة، في خرق واضح للقانون، وضرب لمبدأ تكافؤ الفرص بين المهنيين. الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسات قد تعرض المواطنين لمخاطر حقيقية، خصوصا في حال وقوع حوادث سير خارج نطاق التغطية التأمينية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هي المراقبة؟ وكيف لمركبات تشتغل خارج القانون أن تمر أمام أعين الجهات المعنية دون أي تدخل؟ هنا تبدأ علامات الاستفهام في التكاثر، وتتحول من مجرد تساؤلات إلى شكوك حول جدية ضبط هذا القطاع.

الأزمة لا تقف عند حدود القانون فقط، بل تمتد إلى عمق المعاش اليومي لسكان الحوز. غياب النقل المنظم فتح الباب أمام النقل السري، بكل ما يحمله من فوضى ومخاطر، في وقت كان يفترض فيه أن تكون هذه المرحلة فرصة باش نزيدوا القدام ونصلح الاختلالات، لا أن تتفاقم.

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل عابر، بل مؤشر على غياب رؤية واضحة لتدبير قطاع حيوي، يربط الإنسان بمجاله ويضمن له الحد الأدنى من الكرامة في التنقل. وبين قرى تُركت بدون وسائل نقل، ومدينة تستقطب كل شيء، يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر… في انتظار تدخل قد يأتي، أو قد لا يأتي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد