حصيلة قبل الأوان… حين تتحول الأرقام إلى حملة انتخابية مبكرة

لم يكن تقديم الحكومة لحصيلتها قبل نهاية الولاية مجرد خطوة عادية في المسار المؤسساتي، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي مبكر عن دخول مرحلة انتخابية بصيغة جديدة: أرقام بدل وعود، وخطاب إنجاز بدل خطاب انتظار.
في الظاهر، قدمت الخطوة على أنها تكريس للشفافية وفتح للنقاش داخل البرلمان، لكن في العمق، يصعب فصل هذا التوقيت عن منطق التحكم في السردية قبل أن تنفلت. فالحكومة، وهي تدرك أن المرحلة المقبلة ستحكم بمنطق المحاسبة، اختارت أن تسبق السؤال بالإجابة، وأن ترسم بنفسها حدود النقاش، بدل أن تتركه مفتوحا على احتمالات الإحراج.
رئيس الحكومة عزيز أخنوش استعرض حصيلة وصفت بالشاملة، مدعومة بأرقام حول النمو والاستثمار وإصلاحات كبرى في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. غير أن هذا العرض، رغم كثافته، بدا موجها أكثر لإقناع الرأي العام بجدوى السياسات، منه إلى فتح نقاش حقيقي حول مكامن التعثر والاختلال.
الرهان كان واضحا: تثبيت صورة حكومة اشتغلت في ظروف صعبة وحققت نتائج معتبرة. لكن الإشكال لا يكمن في الأرقام في حد ذاتها، بل في المسافة التي تفصلها عن الواقع اليومي. فالمواطن لا يقيس النمو بالنسبة المئوية، بل بما يلمسه في المعاش: في الأسعار، في الخدمات، في فرص الشغل. وهنا تحديدا، تصبح الأرقام عرضة للتشكيك، ليس من باب تكذيبها، بل من زاوية أثرها المحدود على الحياة اليومية.
الخطاب الحكومي عاد مجددا إلى شماعة الأزمات: جائحة، جفاف، توترات دولية، وهي معطيات حقيقية بلا شك، لكنها تحولت مع الوقت إلى مبرر جاهز يفسر كل تعثر، دون أن يجيب عن سؤال بسيط: ماذا تغير فعلا في حياة الناس؟
تقديم الحصيلة في هذا التوقيت يكشف أيضا عن قلق سياسي أكثر مما يعكس ثقة مطلقة. فلو كانت النتائج كافية بذاتها، لانتظرت الحكومة نهاية الولاية وقدمت حصيلتها في موعدها الطبيعي. أما الاستعجال، فيوحي برغبة في كسب معركة الصورة قبل الدخول في معركة الأصوات.
الأخطر من ذلك، أن هذا التمرين قد يحول النقاش العمومي من مساءلة سياسية إلى جدل تقني حول الأرقام والمؤشرات، وهو ما يخدم الحكومة أكثر مما يخدم المواطن. فحين يتحول النقاش إلى نسب نمو وتوقعات، يتم تهميش الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وجودة الخدمات وفعالية السياسات.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بتوقيت عرض الحصيلة، بل بطبيعة الخطاب الذي رافقها. خطاب يسعى إلى الإقناع أكثر مما يسعى إلى الاعتراف، وإلى التسويق أكثر مما يسعى إلى التقييم.
وبين الأرقام التي تقول إن الأمور تتحسن، والواقع الذي لا يزال يطرح أسئلة ثقيلة، يبقى الحكم النهائي بيد المواطن، لا في قاعة البرلمان، بل في تفاصيل المعاش اليومي، حيث لا تنفع البلاغة، ولا تقنع النسب المئوية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد