أكادير… حين تسقط المدينة في قبضة “اقتصاد السموم”

لم يعد ما يجري في أكادير مجرد انزلاق عابر في مشهد ليلي منفلت، بل تحول خطير يرقى إلى إعادة تشكيل غير معلنة لوظيفة المدينة نفسها. من “عاصمة الانبعاث” إلى فضاء تتكاثر فيه شبكات الاتجار في المخدرات، حيث لم تعد المواد القاتلة تتداول في الخفاء، بل تسوق بجرأة صادمة داخل الملاهي الليلية ومقاهي الشيشة، وكأننا أمام اقتصاد مواز خرج إلى العلن دون رادع.

المقلق في هذا الأمر ليس فقط حجم الانتشار، بل طبيعة التطبيع معه. حين يصبح الكوكايين والإكستازي جزءاً من العرض الليلي، فذلك يعني أن الخطر لم يعد محصوراً في فئات هامشية، بل يتسلل إلى عمق النسيج الشبابي. الأخطر أن هذا الواقع يقابل بصمت ثقيل، صمت يطرح أسئلة حارقة حول فعالية منظومة المراقبة، وحدود تدخل الأجهزة المعنية، ومآلات سياسة الردع.

أين الخلل تحديداً؟ هل نحن أمام اختراق حقيقي للمنظومة الأمنية من طرف شبكات منظمة؟ أم أن هناك تراخياً يفتح شهية “تجار الليل” لتوسيع نفوذهم؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: مدينة تُدار على إيقاع غير قانوني، حيث يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والانحراف إلى نمط.

الحديث عن “مافيات المخدرات الصلبة” لم يعد مبالغة خطابية. حين تتكرر نفس الممارسات، في نفس الفضاءات، وبنفس الأساليب، دون تفكيك جذري، فنحن أمام بنية شبه مستقرة، تستفيد من ثغرات متعددة: قانونية، رقابية، وربما حتى سياسية. هنا بالضبط يكمن جوهر الأزمة: ليس في وجود الجريمة، بل في قدرتها على الاستمرار.

إن ترك الوضع يتفاقم يحمل كلفة مضاعفة. أولاً، كلفة اجتماعية تتمثل في تدمير فئة واسعة من الشباب، وثانياً كلفة اقتصادية تضرب صورة المدينة كوجهة سياحية. فمن يغامر بالاستثمار أو السياحة في فضاء تُروَّج فيه السموم بهذا الشكل الفج؟

المطلوب اليوم ليس حملات موسمية ولا بيانات مطمئنة، بل تدخل صارم وممنهج يقطع مع منطق “المعالجة الظرفية”. المطلوب مساءلة حقيقية: من يحمي هذه الشبكات؟ من يغض الطرف؟ ولماذا لا تُغلق الفضاءات التي تحولت إلى منصات توزيع؟

أكادير تقف اليوم على مفترق طرق حاد: إما استعادة هيبة القانون، أو الانزلاق نحو نموذج مدينة تُدار من الخلف، حيث يصبح “النفوذ” بديلاً عن الدولة. وفي هذا الصراع، لا مكان للحياد. إما أن تُحسم المعركة لصالح القانون… أو تُترك المدينة لتغرق في ليل بلا نهاية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد