شرف إشهان
على إيقاع “الجمر” الهادئ الذي لا يكاد ينطفئ في بيوت الأقاليم الجنوبية للمملكة، تشتعل هذه الأيام جذوة نقاش حاد يتجاوز دفء الجلسات الصحراوية المعهودة، ليحرق جيوب المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام قفزة غير مسبوقة في أسعار مادة “الفحم” أو ما يعرف شعبيا بـ”الفاخر”.
هذه المادة التي لا تصنف في الوجدان الصحراوي كترف عابر، بل هي العمود الفقري لطقوس تحضير الشاي اليومية وضرورة حياتية تلازم الساكنة في الحل والترحال، باتت اليوم ترزح تحت وطأة غلاء فاحش، حيث قفزت الأثمنة من حدود 7 دراهم للكيلوغرام الواحد إلى مشارف 15 درهما، في تحول دراماتيكي ضاعف العبء المالي على الأسر التي تستهلك هذه المادة بشكل يومي ومستمر.
وأمام هذا الارتفاع الصاروخي الذي لم تسبقه مقدمات واضحة، وجد المواطن في كبرى حواضر الصحراء نفسه محاصراً بين مطرقة التمسك بالهوية الثقافية التي يمثل الشاي المطهو على الفحم جوهرها، وسندان التكلفة المعيشية التي لم تعد تحتمل مزيداً من الطعنات، مما دفع فئات عريضة إلى الهجرة القسرية نحو بدائل “عصرية” لا تخلو بدورها من كلفة، مثل الموقد الكهربائي أو “الريشو”.
غير أن هذا الهروب نحو الكهرباء اصطدم بحائط فواتير الاستهلاك المرتفعة، ليجد المستهلك نفسه في حلقة مفرغة، فاقدًا لنكهة “الربيع” الأصيلة في كؤوس الشاي، ومستنزفاً مادياً في محاولة لتعويض مادة طبيعية كان يُفترض أن تكون في متناول الجميع.
المثير للاستغراب في هذا السياق، ليس فقط حجم الزيادة الذي تجاوز الضعف، بل طبيعة المبررات التي يسوقها التجار والموردون لتفسير هذا الشطط، إذ وفي غياب توضيحات رسمية أو رقابة صارمة تعيد الأمور إلى نصابها، أطلت من جديد الأسطوانة المشروخة التي تعيد كل أزمة محلية إلى سياقات دولية معقدة.
فبين “مضيق هرمز” وتداعيات “الحرب الأوكرانية”، يحاول الباعة تغليف الجشع أو سوء التنظيم في قالب جيوسياسي جاهز، بدعوى أن هذه الأزمات رفعت أسعار المحروقات وبالتالي تكاليف الشحن، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب آليات الضبط ومراقبة الأسعار لحماية القدرة الشرائية للمواطن من تقلبات “بورصة الفاخر” التي يبدو أنها استعذبت الركوب على موجة الأزمات العالمية لتبرير واقع محلي مرير.
