ليست المدن مجرد خرائط من إسفلت وإسمنت، بل نصوص مفتوحة تكتب بالضوء والذاكرة والخيال. وفي الرباط يعاد اليوم تحرير هذا النص بلغة جديدة، عنوانها المسرح الكبير بالرباط؛ معلمة لا تقرأ بوصفها بناء فقط، بل باعتبارها موقفا ثقافيا يعلن انتقال العاصمة من وظيفة الادارة الى افق الابداع.
هناك، على ضفاف نهر أبي رقراق، لا يقف المشروع كجسد معماري صامت، بل ككائن حي يختبر معنى ان تكون الثقافة قلبا نابضا للمدينة. فالرباط، وهي تعيد تشكيل ملامحها، لا تكتفي بتجميل واجهتها، بل تعيد تعريف ذاتها: من مدينة تدار الى مدينة تفكر، من فضاء يستهلك الى فضاء ينتج المعنى.
في العمق، لا يمكن فصل هذا التحول عن الرؤية التي يرعاها الملك محمد السادس، حيث لم تعد الثقافة ترفا مؤجلا، بل خيارا استراتيجيا. خيار يجعل من الفن لغة سيادية، ومن الجمال اداة لبناء الوعي، ومن الابداع رافعة لاعادة تموقع المغرب داخل خريطة العالم الرمزية.
داخل هذا الفضاء، لا تعرض الاعمال الفنية فقط، بل يعاد تعريف العلاقة بين الانسان ومحيطه. هنا، يصبح الصوت صورة، والضوء فكرة، والفرجة تجربة وجودية تعيد طرح سؤال المعنى: لماذا نبدع؟ ولمن؟ وكيف يمكن للفن ان ينقذ اليومي من رتابته؟
ان المسرح الكبير بالرباط ليس حدثا معماريا عابرا، بل لحظة دالة في مسار بلد يختار ان يستثمر في رمزيته بقدر ما يستثمر في اقتصاده. لحظة تعلن ان المستقبل لا يبنى فقط بالمشاريع، بل بالافكار التي تمنحها روحها.
هكذا تكتب الرباط افتتاحيتها الجديدة: مدينة تراهن على الثقافة لا كزينة، بل كقدر. مدينة تدرك ان من لا ينتج الجمال، يظل خارج التاريخ.
