صنعة بلادي/النحاس… حين يتحول الصوت إلى نقش والحرفة إلى إيقاع بين البقاء والتراجع

عبد الحليم السريدي

النحاس لا يرى فقط…بل يسمع.

في قلب المدن العتيقة، حيث تضيق الأزقة وتتداخل الأصوات، يفرض النحاس حضوره بإيقاع خاص.

ضربات متتالية، منتظمة، لا تبدو عشوائية، لكنها في الحقيقة لغة كاملة، يفهمها الحرفي كما يفهم الموسيقي نوتاته.

هنا، لا تبدأ الحرفة من الشكل… بل من الصوت.

بين النار والمطرقة… بداية التشكيل

قبل أن يتحول النحاس إلى إناء أو صينية، يمر عبر النار.

يسخن، يلين، ثم يخرج ليواجه المطرقة.

كل ضربة تحدث أثرا،

وكل أثر يقرب القطعة من شكلها النهائي.

لكن العمل لا يقوم على القوة وحدها، بل على الإيقاع.

ضربة خاطئة…

قد تشوه التوازن.

وضربة زائدة…قد تفقد المعدن انسجامه.

لهذا، يتحرك الحرفي وفق نظام غير مكتوب، حيث تتحول الحركة إلى عادة، والعادة إلى دقة.

بين المطرقة والإيقاع… من سوق النحاس إلى ميزان الشعر

في ورشات النحاس، لا تسمع الضربات بوصفها أصواتا متفرقة، بل كإيقاع يكاد يكون منتظما… محسوبا.

ضربة تتبعها أخرى، ثم سكون قصير، ثم عودة إلى نفس النسق.

هذا الإيقاع، الذي يبدو جزءا من العمل اليومي،يحمل في داخله ما هو أعمق من مجرد حركة مهنية، إذ يحيل، بشكل غير مباشر، إلى واحدة من أهم لحظات الاكتشاف في الثقافة العربية.

فقد ارتبطت نشأة علم العروض باسم الخليل بن أحمد الفراهيدي،الذي استلهم إيقاعاته الأولى من انتظام أصوات المطارق في أسواق النحاسين،

ليحول هذا الإيقاع السمعي إلى نظام دقيق يزن به الشعر العربي.

وكما استنبط الخليل بحور الشعر من خلال تقطيع الأصوات وتنظيمها، يعيد الحرفي هنا، بطريقة عملية، إنتاج نفس المنطق:

تنظيم الضربات، ضبط الإيقاع، والحفاظ على التوازن.

الزيادة تخل بالانسجام،والنقص يفقد الشكل اكتماله.

وهكذا، لا يبدو الربط بين النحاس والعروض مجرد استعارة، بل امتدادا لذاكرة ثقافية، حيث يتحول الصوت… إلى ميزان، والإيقاع… إلى شكل.

النقش… حين يتحول الصوت إلى شكل

بعد التشكيل، يبدأ النقش.

وهنا، يتغير الصوت… لكنه لا يختفي.

الأدوات تصبح أدق، والضربات أخف، لكنها أكثر تركيزا.

ترسم الزخارف عبر الطرق، خطا بعد خط، حتى تتشكل نقوش هندسية أو نباتية تعكس نفس الروح التي نجدها في باقي الفنون التقليدية.

النحاس لا يحفر كما الخشب، ولا يلون كما الزواق،

بل ينقش عبر الصوت نفسه.

من الأداة إلى الفضاء… حين يصنع النحاس النور

غير أن حضور النحاس لا يتوقف عند الأواني والصواني فقط.

فمنه تصنع أيضا الثريات والمصابيح التي تحمل الضوء داخل الفضاء.

وهنا، لا يعود النحاس مجرد مادة، بل يصبح وسيطا للنور.

الضوء الذي ينساب عبر ثقوب النقش، لا يكتفي بالإنارة، بل يعيد تشكيل الجدران، ويمنح الجبص عمقه، ويبرز تفاصيل الخشب المنقوش.

داخل قبة أو قصر،

لا تعمل الحرف منفصلة،

بل تتناغم.

النحاس يوزع الضوء، والجبص يلتقط الظل، والخشب يحتفظ بالدفء.

وهكذا، تتحول الحرفة من قطعة مستقلة…

إلى جزء من مشهد متكامل.

حرفة بين الإيقاع والتراجع

ورغم هذا الحضور القوي، لم يسلم النحاس من التحولات.

المنتجات الصناعية، الأخف والأرخص، فرضت نفسها في السوق.

وتغيرت أنماط الاستهلاك، فلم يعد النحاس حاضرا في الحياة اليومية كما كان.

الكثير من القطع أصبحت تشترى للزينة، لا للاستعمال.

وهنا، تغيرت وظيفة الحرفة نفسها:

من حاجة يومية… إلى منتج يحمل طابعا تراثيا.

إذا كان الخزف يشكل، والزليج يركب، والجبص ينقش في صمت، والخشب يحفر ببطء…

فإن النحاس يطرق…ويسمع… ويضيء.

إنه الفن الذي لا يكتفي بالشكل، بل يساهم في إبراز باقي الفنون، ويمنحها حضورها الكامل داخل الفضاء.

ورغم التحولات التي مست حضوره، يظل النحاس شاهدا على حرفة استطاعت أن تحافظ على مكانها،

ليس فقط كمنتوج…بل كعنصر يكمل المشهد.

وهكذا، تتقاطع الحرف، وتختلف المواد، لكن تبقى الروح واحدة: صنعة بلادي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد