عبد الحليم السريدي
فجيج… حين يقاس الماء بالعدل لا بالكم
إذا كانت واحات درعة قد كشفت هشاشة الماء، وتافيلالت حدود السوق، وسكورة تحولات الوظيفة السياحية، فإن واحة فجيج تقدم نموذجا مختلفا، حيث لا يتعلق الأمر فقط بندرة المورد، بل بطريقة تدبيره، في نظام ظل، لقرون، قائما على فكرة نادرة في المجالات الجافة: العدالة في توزيع الماء.
على تخوم الشرق المغربي، قرب الحدود، تمتد واحة فجيج كعالم مغلق نسبيا، يتكون من قصور مترابطة مثل لوداغير، زناقة، العبيدات، أولاد سليمان، حمام الفوقاني، المعزوز، ولابيار، حيث لا يفصل بينها فقط النخيل، بل أيضا شبكة معقدة من العيون والخطارات التي تحدد إيقاع الحياة.
الماء… نظام دقيق لا يحتمل الاختلال
في فجيج، لا يترك الماء للصدفة، ولا يستهلك وفق منطق القوة، بل يوزع وفق نظام تقليدي شديد الدقة، يعتمد على:
العيون الطبيعية الخطارات (قنوات تحت أرضية)
تقسيم زمني صارم للحصص
هذا النظام، الذي تطور عبر قرون، لا يقوم فقط على التقنية، بل على منظومة اجتماعية كاملة، حيث تحدد لكل أسرة حصتها بدقة، ويتم احترامها وفق أعراف متوارثة.
غير أن هذا التوازن بدأ يعرف ضغطا متزايدا، بفعل:
تراجع منسوب المياه إهمال بعض البنيات التقليدية
دخول وسائل ضخ حديثة تغير قواعد التوزيع
وهكذا، لم يعد السؤال فقط: هل الماء متوفر؟
بل: هل ما زال يوزع بنفس العدالة؟
النخيل… استقرار مشروط
على خلاف بعض الواحات الأخرى، ما زال النخيل في فجيج يحتفظ بجزء من توازنه، بفضل استمرارية نظام السقي التقليدي، خاصة في القصور التي حافظت على تنظيمها الجماعي.
غير أن هذا الاستقرار يبقى هشا، إذ: أي اختلال في نظام الماء ينعكس مباشرة على النخيل
تراجع الصيانة يهدد الخطارات
التغير المناخي يفرض ضغطا إضافيا
وفي قصور مثل لوداغير وزناقة، يظهر هذا التوازن كأنه معلق بين الاستمرارية والانكسار.
القصور… نظام اجتماعي قبل أن تكون عمرانا
لا يمكن فهم فجيج دون فهم القصور، فهي ليست مجرد بنايات، بل وحدات اجتماعية قائمة بذاتها، تنظم:
توزيع الماء
استغلال الأرض
العلاقات بين السكان
غير أن هذا النظام بدأ يتعرض لتآكل تدريجي، خاصة مع:
هجرة الشباب
تراجع الالتزام بالأعراف
تغير أنماط العيش
وهكذا، فإن تراجع القصور لا يعني فقط فقدان عمران، بل فقدان نظام تدبير كامل.
الإنسان… بين الإرث والواقع
في فجيج، لا يزال الارتباط بالأرض أقوى مقارنة ببعض الواحات الأخرى، لكن هذا الارتباط لم يعد كافياً لضمان الاستمرار.
فالشباب، رغم إدراكهم لقيمة هذا النظام، يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف:
فرص اقتصادية محدودة
صعوبة تحديث النشاط الفلاحي
ضغط التحولات الاجتماعية
ما يجعل الواحة تعيش نوعاً من التوتر بين:
التمسك بالنموذج التقليدي…
والحاجة إلى التكيف مع واقع جديد.
هل يصمد نظام العدالة أمام منطق التحول؟
أهم ما يميز فجيج ليس وفرة الماء، بل طريقة تدبيره، وهو ما يجعلها حالة فريدة داخل المشهد الواحي المغربي.
غير أن هذا النموذج يواجه اليوم تحدياً حقيقيا:
هل يمكن الحفاظ على نظام تقليدي قائم على الأعراف في سياق يتجه نحو الفردانية والتقنيات الحديثة؟
وهنا، لا يتعلق الأمر فقط بالماء،بل بمنظومة قيم كاملة. حين يكون التهديد في طريقة العيش
في هذه السلسلة، تكشف كل واحة عن زاوية مختلفة من التحول، لكن فجيج تطرح سؤالا أعمق:
ماذا يحدث حين لا يختفي المورد…بل تتغير طريقة تقاسمه؟
في فجيج، لا ينهار النظام فجأة، بل يتآكل حين تفقد القواعد التي تنظمه معناها.
وهنا، لا يكون الخطر في قلة الماء فقط… بل في فقدان العدالة التي كانت تحكمه.
