عصام سبادي
من الصعب جداً أن تُقنع زائراً أجنبياً نزل للتو بمطار المنارة، أو سائحاً يتجول بين قصور المدينة العتيقة وأزقتها، بأن هذه الوجهة “العالمية” التي تُسوّق كجوهرة السياحة المغربية، لا تزال تعتمد في شرايين تنقلها على هياكل حديدية متهالكة تُعرف بـ”النقل المزدوج”. مشهدٌ يكاد يكون عبثياً: سيارات من زمنٍ آخر، يغطيها الصدأ والغبار، تجوب الشوارع في تحدٍ صارخ لكل شعارات التحديث، وكأنها تصرّ على جرّ صورة المدينة إلى الخلف في لحظة يُفترض فيها أنها تتجه بثبات نحو المستقبل.
بعيداً عن الأضواء الساطعة وسحر الساحات التاريخية، هناك واقع آخر لا يظهر في بطاقات البريد ولا في الكاميرات السياحية. فئات واسعة من السكان تعيش عزلة نقل حقيقية، حيث يتحول التنقل اليومي إلى اختبار صبرٍ ومخاطرة. موظفون، عمال، طلبة… جميعهم يجدون أنفسهم مجبرين على امتطاء وسائل نقل تفتقر لأبسط شروط السلامة والراحة، في اكتظاظ خانق لا يراعي كرامة ولا إنسانية. المفارقة المؤلمة أن الحديث عن “المدن الذكية” والرقمنة يتزامن مع استمرار هذا النموذج البدائي من النقل، وكأن الزمن في هذه الزوايا قد توقف عمداً.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يغذي هذا الوضع؟ ومن المستفيد من استمرار هذا “الاستثناء” المشوّه؟ حين تغيب الحافلات أو تتحول إلى رفاهية نادرة، يصبح البديل المفروض واقعاً لا مفر منه. سياسة الانتظار الطويل، والتغطية غير الكافية، ليست مجرد اختلال عابر، بل هي الأرضية التي سمحت لهذا النوع من النقل بأن يتمدد ويترسخ. لماذا لا يتم التفكير جدياً في حلول عملية، مثل حافلات صغيرة مرنة تستجيب لطبيعة الأحياء وتضاريسها؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه غياب إرادة حقيقية لتغيير مشهد أصبح مألوفاً رغم قسوته؟
إن استمرار هذا الوضع لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل تقني في تدبير قطاع النقل، بل هو عنوان لفجوة أعمق بين الخطاب والواقع. مدينة تُراهن على صورتها الدولية لا يمكنها أن تتجاهل يوميات ساكنتها، ولا أن تقبل بأن يتحول تنقل الآلاف إلى معاناة يومية صامتة. فالتنمية لا تُقاس بعدد الزوار ولا بحجم الاستثمارات فقط، بل بمدى احترامها لكرامة الإنسان في تفاصيل حياته البسيطة، وعلى رأسها الحق في تنقل لائق وآمن.
