عبد الحليم السريدي
في المغرب، لا تبنى الأشياء فقط…بل تصاغ.
ليست المواد هنا عناصر صامتة تُستعمل لأداء وظيفة، بل كيانات تدخل في حوار طويل مع الإنسان، يتحول فيه الطين إلى شكل، والخشب إلى ذاكرة، والجبص إلى ضوء، والنحاس إلى إيقاع.
هكذا، لا تبدو الحرف التقليدية مجرد أنشطة معيشية، بل امتدادًا لطريقة كاملة في فهم العالم،
حيث لا يُفصل بين الجمال والمنفعة، ولا بين اليد والفكرة.
بين المادة والإنسان… علاقة تتجاوز الاستعمال
في كل حلقة من هذه السلسلة، لم تكن الحرفة موضوعًا معزولًا، بل مدخلًا لفهم علاقة أعمق:
علاقة الإنسان المغربي بمحيطه.
فالخزف لم يكن إناءً فقط،
بل لحظة أولى لتشكيل المادة.
والزليج لم يكن زخرفة،
بل نظامًا هندسيًا يعيد ترتيب الفضاء.
والجبص لم يكن سطحًا،
بل مجالًا للضوء والظل.
والخشب لم يكن دعامة،
بل حضورًا يوميًا يُلامس الإنسان.
أما النحاس، فلم يكن معدنًا،
بل صوتًا يُعلن عن الحرفة قبل أن تُرى.
كل مادة حملت لغتها الخاصة، لكنها، في النهاية، تحدثت بنفس الروح.
الحرفة كفكر… لا كمهارة فقط
ما تكشفه هذه الحرف، ليس فقط دقة الإنجاز،
بل عمق التصور.
فالحرفي، في جوهر عمله، لا يكرر ما تعلمه فقط،
بل يعيد إنتاج نظام كامل من التوازن:
بين الشكل والوظيفة، بين الامتلاء والفراغ، بين الظاهر والمخفي.
وحتى حين لا يحمل شهادة، فإنه يمارس نوعًا من الهندسة الحية، حيث تتحول الزوايا إلى إحساس،
والقياسات إلى ذاكرة، والإيقاع إلى قاعدة.
لهذا، لا يمكن اختزال الحرفة في بعدها اليدوي،
لأنها، في حقيقتها، تفكير يُمارس باليد.
بين الاستمرار والتراجع… مفارقة الزمن
غير أن هذا العالم، بكل تماسكه، لم يبق بمنأى عن التحولات.
السرعة التي فرضها البناء الحديث، والمنطق الاقتصادي الذي يفضل الكلفة الأقل والوقت الأقصر،
أعادا ترتيب الأولويات.
تراجعت المساحات التي كانت تحتضن هذه الحرف،
وتقلصت الحاجة إليها داخل الحياة اليومية،لتتحول، في كثير من الأحيان،. من ضرورة… إلى اختيار.
وهنا، تظهر المفارقة:
كلما ارتفعت قيمة هذه الحرف كتراث، تقلص حضورها كواقع يومي.
حين تتكلم المواد
ورغم هذا التراجع، لا يمكن القول إن الحكاية انتهت.
ففي كل قطعة خزف، وفي كل نقش جبص،وفي كل سقف خشبي،وفي كل ضربة نحاس… لا تزال هناك ذاكرة تعمل.
ذاكرة لا تكتب في الكتب،بل تنقل عبر الأيدي، وتعيش في التفاصيل الصغيرة، وتظهر حين تتوفر المساحة التي تسمح لها بالظهور.
وهنا، لا تعود المادة مجرد وسيط، بل تصبح لغة.
لغة تقول إن الجمال ليس ترفا، بل طريقة في الوجود.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الحرف كصور من الماضي فقط، بل كإمكانية مفتوحة للمستقبل.
فما دام هناك من يؤمن بأن المادة يمكن أن تحمل معنى، وأن اليد يمكن أن تفكر، وأن الجمال يمكن أن يكون جزءًا من الحياة… فإن هذه الحرف لن تختفي.
قد تتغير، قد تنحسر، لكنها ستبقى،لأنها ليست مجرد تقنيات… بل هوية تمارس.
وهكذا، حين تتكلم المواد، لا نسمع صوتها فقط…
بل نسمع تاريخا كاملا، يكتب…مرة أخرى، بيد الإنسان.
