وزيرة المالية “أنا وإياكم مسؤولون”… مسؤولية الكلام أم مسؤولية الغلاء؟

عصام سبادي

في سياق سياسي واقتصادي متوتر، أثارت تصريحات وزيرة المالية داخل البرلمان نقاشاً واسعاً بعد قولها: “أنا وإياكم مسؤولون” في إشارة إلى تحميل النواب جزءاً من مسؤولية تفسير غلاء الأسعار، إضافة إلى حديثها عن الرفع في الأجور مرتين، وعن كون المواد الأساسية مثل الطماطم والبصل والفواكه “متوفرة بفضل الحكومة”.

هذا الخطاب، رغم أنه يبدو في ظاهره محاولة لتقديم صورة استقرار في الأسواق، يفتح في العمق نقاشاً أوسع حول طبيعة المقاربة المعتمدة في تقييم الوضع المعيشي للمواطن المغربي، وحول حدود المؤشرات التي يتم اعتمادها لقياس القدرة الشرائية.

أول ما يلفت الانتباه هو اختزال معاناة المواطن في “وفرة العرض” لبعض المواد الأساسية. صحيح أن توفر الطماطم أو البصل في السوق مسألة مهمة من ناحية التموين، لكنها لا تختصر بأي حال من الأحوال واقع المعيشة. فالمواطن لا يعيش على هذه المواد وحدها، بل على منظومة كاملة من المصاريف تشمل الكراء، النقل، التعليم، الصحة، الطاقة، والمواد الغذائية المتنوعة التي عرفت أسعارها ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

ثم إن الحديث عن الزيادة في الأجور مرتين يطرح إشكالاً آخر أكثر تعقيداً: من المستفيد فعلياً من هذه الزيادات؟ الواقع الاجتماعي يكشف أن شريحة واسعة من المغاربة لا تشتغل بأجور قارة أصلاً، بل تعتمد على العمل المياوم أو غير المهيكل، وهي فئة عريضة داخل النسيج الاقتصادي. هذه الفئة لا تستفيد مباشرة من أي مراجعة للأجور، لكنها في المقابل تتحمل بشكل مباشر أثر الغلاء اليومي.

كما أن مقاربة ربط تحسن الوضع المعيشي بتوفر بعض المواد الأساسية فقط تبدو تبسيطية لواقع أكثر تعقيداً. فالأسر المغربية، دون تعميم، بدأت بالفعل تعيد ترتيب أولوياتها الاستهلاكية، وتستغني تدريجياً عن بعض الحاجيات التي كانت تُعتبر أساسية في السابق، ليس ترفاً بل اضطراراً تحت ضغط ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.

الأخطر في هذا النوع من الخطاب ليس فقط في مضمونه، بل في زاوية النظر التي يعكسها: زاوية تركز على العرض في السوق أكثر من التركيز على قدرة المواطن على الاستهلاك. فوجود السلع لا يعني بالضرورة القدرة على اقتنائها، وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين المؤشرات الرسمية والإحساس اليومي لدى الأسر.

في النهاية، يبقى النقاش حول غلاء الأسعار مسؤولية مشتركة بلا شك، كما قيل داخل البرلمان، لكنه أيضاً مسؤولية تقتضي الاعتراف بتعدد الواقع الاجتماعي، وعدم اختزاله في مؤشرات جزئية لا تعكس الصورة الكاملة للمعيش اليومي للمواطن.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد